المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الكرم وطيبة النفس ليسا مهارةً تُكتسب في دورةٍ تدريبية،
ولا سلوكًا عابرًا يُستدعى عند الحاجة،
بل هما خُلُقٌ عميق الجذور،
ينمو في الإنسان منذ طفولته الأولى،
ويتشكّل من تربيته، وبيئته، والنماذج التي عاش بينها.
وقد يحاول بعض الناس اكتساب الكرم لاحقًا،
فينجح القليل بالمجاهدة الصادقة،
ويفشل كثيرون حين يتحوّل الأمر إلى تكلّف أو تمثيل؛
لأن ما لا يخرج من القلب لا يصل إلى القلوب.
يحكي أحد الأصدقاء قصةً بليغة الدلالة،
حين زار منطقة حائل، أرض حاتم الطائي،
الاسم الذي صار مرادفًا للكرم في الذاكرة العربية.
يقول: مررنا نسأل عن أمرٍ ما،
فاستقبلنا طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره،
أجابنا ببساطة، ثم ألحّ علينا بإصرار صادق
أن ننزل ونأخذ حق الضيافة.
لم يكن إلحاحه استعراضًا،
ولا خجلًا مصطنعًا،
بل كان نابعًا من يقينٍ داخلي
بأن هذا هو الصواب،
وكأن الضيافة واجبٌ فطري لا يحتاج إلى تبرير.
ذلك الطفل لم يقرأ عن الكرم،
ولم يتلقَّ درسًا أخلاقيًا نظريًا،
بل رآه حيًّا في والده، وفي بيته، وفي مجتمعه.
وهنا يتجلى السر:
الكرم يُورَّث بالسلوك لا بالكلام.
من المؤلم أن نرى بعض الآباء يزرعون في أبنائهم:
الحرص المَرَضي
حب التملك
الخوف غير المبرر من الإنفاق
وكأن العطاء نقص،
وكأن المال هو القيمة العليا في الحياة.
ينشأ الطفل وهو يحسب كل شيء،
يخشى المشاركة، ويكره العطاء،
فتتحول هذه السلوكيات مع الزمن إلى صفاتٍ ملازمة،
تجعله ثقيل الروح، ضعيف القبول،
مهما بلغ من علمٍ أو منصب.
والعجيب أن الإنسان قد يكون مليئًا بالعيوب،
لكنه كريم؛
فتجد كرمه حاضرًا في الشدائد والأفراح والأتراح،
فيغطي هذا الخُلُق العظيم على كثير من نقائصه،
ويكسبه محبة الناس واحترامهم.
الكرم ليس حكرًا على قومٍ أو دينٍ أو منطقة.
كم هو جميل أن تجلس في مطعمٍ عابر على الطريق،
فإذا بشخصٍ لا يعرفك — من أي بلد كان —
يلحّ عليك أن تشاركه طعامه،
بلا معرفة سابقة، ولا مصلحة، ولا انتظار مقابل.
تلك الطيبة، وذلك الرضا، وذلك السخاء،
صفات إنسانية خالصة،
تظهر حين يكون الإنسان إنسانًا،
قبل أي توصيف آخر.
فالكرم خُلُق الأحرار،
حيثما كانوا، ومن أي لونٍ كانوا.
وصيتي لأبنائي، ولكل من يقرأ هذه الكلمات:
لا تترك ضيفك جائعًا تحت أي ظرف
كن مبادرًا ولا تنتظر أن يُطلب منك
لا تحسب كم ستنفق، بل اسأل:
هل تركت أحدًا دون كرم؟
فالكرم ليس في كثرة المال،
بل في صدق النية وسعة القلب.
الكرم الحقيقي من صميم الإيمان والمودة الإنسانية.
وما أُنفِق في موضعه لا يُعد خسارة،
بل تزكية للنفس قبل أن يكون نفعًا للآخرين.
والعجيب أننا لا نتردد في إنفاق مبالغ كبيرة على:
كماليات
مظاهر اجتماعية
قهوة أو حلوى عابرة
ولا نجد في ذلك حرجًا،
لكنه في نظرنا من “بريستيج العصر”.
بينما نتردد حين يكون الإنفاق على إنسان،
على ضيف، على محتاج،
وكأن الكرم صار عبئًا لا شرفًا.
الكرم ليس وليمة، ولا صورة، ولا مناسبة.
الكرم موقف، ونَفَس، وطريقة نظر إلى الناس.
هو أن ترى في الآخر إنسانًا يستحق العطاء،
لا حسابًا يُتعبك.
فطوبى لأولئك الكرماء طيبي النفس،
من كل عِرقٍ ولون،
الذين ما زالوا يثبتون أن الإنسان
يُعرَف بما يعطي… لا بما يملك.