المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
من أخطر ما يواجه الإنسان أن يعتاد على ما يؤذيه،
حتى يصبح الأذى جزءًا من حياته اليومية،
لا يُستنكر ولا يُسأل عنه.
فالاعتياد قد يُسقط من العين صفة الخطر،
ولو كان الشيء في حقيقته سمًّا بطيئًا.
والسجائر مثال صارخ على ذلك:
عادة شائعة، ضررها ثابت، وخبثها مؤكد،
ومع ذلك لا يزال كثيرون ينظرون إليها بوصفها
«أمرًا شخصيًا»،
مع أن آثارها لا تقف عند صاحبها،
ولا تنتهي عند لحظة التدخين.
ثبت في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال:
«حرَّم الله كلَّ مُسكِرٍ ومُفَتِّر»
وأجمع العلماء على أن:
المُسكِر: ما يُذهب العقل ويُغيّبه
المُفَتِّر: ما يُضعف الجسد، ويورث الخمول، ويكسر القوى، ويُوهن البدن
والسجائر — بشهادة الطب والتجربة — لا تُسكر العقل، لكنها:
تُضعف البدن
تُنهك الجهاز العصبي
تُكسِّر الصحة تدريجيًا
تُدخل الإنسان في حالة اعتمادٍ وإدمان
وهذا هو عين معنى التفْتير.
فالتحريم هنا ليس ذوقًا ولا هوى،
بل قائم على قاعدة شرعية كلية:
كل ما يضر الإنسان في بدنه أو عقله أو نفسه ضررًا محققًا فهو محرّم.
قال الله تعالى في وصف رسالة النبي ﷺ:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾
والخبث لا يكون في الطعم أو الرائحة فقط،
بل في الأثر والعاقبة.
والسجائر خبيثة من كل وجه:
خبيثة رائحة
خبيثة أثرًا
خبيثة عادة
خبيثة مآلًا
فلا طيب فيها،
ولا نفع راجح،
ولا مصلحة معتبرة تُقابل ضررها.
لم يعد ضرر التدخين محل نقاش علمي.
فهو من أكثر الأسباب المؤكدة للأمراض المزمنة والقاتلة.
من آثاره الثابتة:
أمراض القلب والشرايين
سرطانات الرئة والفم والحنجرة
ضعف جهاز المناعة
تدمير الجهاز التنفسي
تسريع الشيخوخة
الإدمان العصبي والنفسي
ويمتاز ضرر السجائر بأنه تراكمي صامت؛
لا يظهر دفعة واحدة،
بل يتسلل عامًا بعد عام،
حتى يصبح الإصلاح صعبًا أو مستحيلًا.
التدخين ليس مجرد عادة،
بل ارتباط نفسي قهري.
فالمدخن غالبًا:
لا يدخن لأنه يستمتع
بل لأنه لا يستطيع التوقف
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:
يظن الإنسان أنه يختار،
بينما هو في الحقيقة مُستعبَد.
وقد جاء الإسلام لتحرير الإنسان:
من عبودية الشهوة
من أسر العادة
من تسلط الإدمان
التدخين لا يضر صاحبه وحده، بل يتعداه إلى غيره:
يؤذي أهل بيته
يؤذي أبناءه
يؤذي زملاءه
ويؤذي المجتمع كله
ومن آثاره:
التدخين السلبي الذي يضر الأطفال
تفاقم أمراض المرضى
تلويث الهواء بغير حق
وقد قال النبي ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار»
فكيف يُبرَّر فعل يجمع بين إيذاء النفس وإيذاء الغير؟
التدخين استهلاك يومي لمال:
لا يُشبع
لا يُقوّي
لا يُداوي
بل يضر ويُهلك
وقد نهى الإسلام عن:
الإسراف
إضاعة المال
تبديد النعمة
فكيف يُصرف المال فيما:
يُضعف الجسد
ويُقصّر العمر
ويزيد المرض؟
من أسباب التساهل:
الاعتياد الاجتماعي
التدرّج البطيء للضرر
ضعف الوعي الديني والصحي
الخلط بين عدم الإسكار وعدم التحريم
لكن الشريعة لا تُحرّم فقط ما يُذهب العقل فورًا،
بل ما يهدم الإنسان على المدى القريب أو البعيد.
السجائر:
محرّمة شرعًا لدخولها في باب المُفَتِّرات
خبيثة بنص القرآن
مدمّرة صحيًا
مؤذية اجتماعيًا
مُهلكة للنفس والمال
وليست القضية:
هل اعتادها الناس؟
بل:
هل يرضاها الله؟
وهل تحفظ كرامة الإنسان الذي كرّمه الله؟
وكل من ترك التدخين:
لم يخسر شيئًا
بل استعاد حريته
وصحته
وكرامته
وما حُرِّم في الشريعة إلا لخبثه،
وما نُهي عنه إلا رحمةً بالإنسان.