Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

الميزان في سورة الرحمن

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾

ليست هذه الآيات وصفًا كونيًا مجردًا،
ولا تقريرًا فيزيائيًا عن نظام السماء فحسب،
بل إعلانٌ إلهي عن قانونٍ شامل يحكم الوجود كله: قانون الميزان.

ميزانٌ دقيق لا يختل،
وعدلٌ مطلق لا يحابي،
ونظامٌ إذا أُخِلَّ به في أي موضع
ظهر الخلل بقدر ما أُفسد منه، لا أكثر ولا أقل.


الميزان: قانون الوجود قبل أن يكون موعظة

حين يقول الله تعالى:
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
فهو لا يتحدث عن أداة وزنٍ مادية فقط،
بل عن مبدأ كوني شامل:

  • ميزان في الكون

  • ميزان في النفس

  • ميزان في السلوك

  • ميزان في العلاقات

  • ميزان في القيم

فالسماء مرفوعة بلا عمد مرئية،
لا تتصادم نجومها، ولا تختل أفلاكها،
لأن الميزان محفوظ.
ولو اختل مقدار ذرة واحدة لانفرط العقد كله.

وكذلك حياة الإنسان:
لا تنهار فجأة بلا سبب،
بل تبدأ بالانحراف حين يُكسر الميزان في أمرٍ ما،
ثم يتراكم الخلل حتى يظهر أثره.


﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾

التحذير قبل السقوط

الطغيان هنا لا يقتصر على ظلم الآخرين،
بل يشمل كل تجاوز للحد في أي مجال:

  • طغيان في الدين:
    تشدد يقسي القلب، أو تسيّب يميته.

  • طغيان في العمل:
    إفراط يهلك الجسد، أو تفريط يضيّع الأمانة.

  • طغيان في العاطفة:
    تعلق أعمى، أو قسوة قاتلة.

  • طغيان في العقل:
    تقديس الفكر حتى يُؤلَّه، أو تعطيله حتى يُلغى.

كل طغيان هو كسرٌ للميزان،
وكل كسرٍ للميزان يستدعي نتيجة،
لأن العدل الإلهي لا يُعطَّل.


عدالة الله في الميزان

من أعظم ما يبعث الطمأنينة في النفس
أن الله لم يخلق الإنسان في فوضى،
ولم يتركه لعبث المصادفات،
بل وضع ميزانًا عادلًا لا يظلم:

  • من زرع حصد

  • ومن بالغ في شيء دفع ثمن المبالغة

  • ومن أخلّ بميزان صحته، أو علاقاته، أو روحه
    جاءه الأثر من نفس الباب

وهنا تتجلى العدالة الإلهية:
فليس العقاب دائمًا نارًا عاجلة،
بل أحيانًا يكون:

  • قلقًا داخليًا

  • اضطرابًا نفسيًا

  • فراغًا روحيًا

  • ضيقًا بلا سبب ظاهر

بينما سببه الحقيقي هو كسر ميزانٍ ما في الخفاء.


الميزان في حياة الإنسان

من العقيدة إلى التفاصيل

1) الميزان في الدين

الدين الحق هو أول ميزان.
عبودية بلا وعي تُنتج قسوة،
ووعي بلا عبودية يُنتج غرورًا.

الميزان هو:

  • إيمانٌ يعقل

  • وعقلٌ يخضع للحق

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
والوسطية ليست تمييعًا،
بل دقة في الوقوف حيث يجب.


2) الميزان في النفس

للنفس حاجات،
وللروح حقوق،
وللجسد سنن:

  • من أطعم الجسد وترك الروح جاع داخليًا

  • من أهمل الجسد باسم الزهد انهار

  • من أطلق النفس بلا ضابط استعبدته شهوته

الميزان أن تُعطى كل جهة حقها
دون أن تطغى على الأخرى.


3) الميزان في العلاقات

لا حياة سليمة مع ظلمٍ مستمر،
ولا علاقات صحية مع استنزاف دائم.

الميزان هنا هو:

  • العدل

  • الحدود

  • الاحترام المتبادل

الإفراط في العطاء بلا وعي يُنتج استغلالًا،
والأخذ بلا مقابل يفسد الفطرة،
وكل علاقة لا تُبنى على ميزانٍ عادل
مآلها الانكسار.


4) الميزان في الصحة والعقل

الصحة ليست صدفة، بل نتيجة ميزان:

  • نوم

  • غذاء

  • حركة

  • راحة نفسية

وكذلك العقل:

  • من أثقله بلا توقف انهار

  • ومن عطّله فقد قيمته

حتى التفكير له ميزان:
لا إفراط في القلق،
ولا تفريط في المسؤولية.


رسالة سورة الرحمن: الكون يعلّمك

سورة الرحمن لا تخاطب العقل فقط،
بل تُربّي الإحساس بالميزان.
تُعدِّد النِّعم، وتُكرِّر السؤال:

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

كأنها تقول:
انظر… كل شيء موزون،
فلماذا تريد أن تعيش بلا ميزان؟


الخاتمة

إذا استقام الميزان استقامت الحياة

الحياة لا تحتاج دائمًا إلى معجزات لتُصلَح،
بل إلى إعادة ضبط الميزان:

  • أين طغيت؟

  • أين قصّرت؟

  • أين فقدت الاعتدال؟

فما من خلل في النفس، أو المجتمع، أو الأسرة، أو الصحة
إلا وله أصل في ميزانٍ مكسور.

ومن فهم معنى قوله تعالى:
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾
فقد فهم سرًّا من أسرار العيش بسلام:

أن تعيش منسجمًا مع قانون الله؛
فمن خالف الميزان لا يُعاقَب ظلمًا،
بل يُترك لنتائج اختياره،
وذلك عين العدل.

Responsive Counter
General Counter
16603
Daily Counter
254