Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

البخل الطارئ

عندما يختبر الله سخاء الإنسان بعد أن اعتاد عليه الناس

 

حين لا يكون البخل طبعًا… بل انتكاسة

كثيرًا ما يكون الإنسان معطاءً، محسنًا، كريم النفس،
يبذل من ماله ووقته وجهده،
ثم يفاجئ نفسه – ومن حوله – بتراجعٍ مفاجئ عن هذا الخير.

بخلٌ طارئ،
أو تردّد غير معتاد،
أو توقّف بسبب كلمة،
أو موقف،
أو شعور بالضيق،
أو جرحٍ نفسيٍّ لم يُعالَج.

وهذا النوع من البخل أخطر من البخل الدائم؛
لأنه ليس طبيعةً متأصلة،
بل نكوص عن خيرٍ ألفه القلب، واعتاده الناس،
وكأن الإحسان صار مشروطًا بالمزاج وردود الفعل.

وهنا يأتي الابتلاء الحقيقي.


قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

حين يُصحّح الله سلوك العظماء

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يُنفق على قريبه
مِسطح بن أُثاثة،
إحسانًا وصلةً وكرمًا.

فلما وقع مسطح – وهو بشر – في زلّة عظيمة يوم حادثة الإفك،
وتكلم في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها،
غضب أبو بكر، فتوقّف عن الإنفاق عليه.

غضبٌ مفهوم…
لكن التوقف لم يكن مقبولًا إلهيًا.

فنزل قول الله تعالى:

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

ليست هذه الآية موعظةً عابرة،
بل تصحيح ربّاني لسلوك إنساني قد يقع فيه أفضل الناس.


لماذا البخل الطارئ أخطر من البخل الأصلي؟

البخيل بطبعه يعاني خللًا في اليقين والرحمة، وهذا شرّ.
لكن من كان محسنًا ثم توقّف، فقد وقع في أمور أعظم:

  • قطع عادة خيرية كان يسير عليها

  • حرم نفسه أجر الاستمرار

  • خذل من اعتاد إحسانه

  • أساء الظن بوعد الله بعد أن كان مطمئنًا إليه

  • جعل إحسانه تابعًا للناس لا خالصًا لله

وهذا تراجع أخلاقي وإيماني؛
لأن الخير إذا ألفه القلب ثم انقطع،
كان الانقطاع علامة ضعف يقين لا قلّة مال.


حديث يهدم البخل من جذوره

قال النبي ﷺ:

«ما نقص مالٌ من صدقة»

هذا الحديث لا يترك للبخل حجة:

  • لا ينقص المال

  • بل يزيد بركة

  • ويزيد نماء

  • ويزيد حفظًا

فكيف يتردّد من صدّق وعد الله ورسوله؟
التردّد هنا ليس فقرًا… بل خلل ثقة.


وعد الله الصريح: تجارة لا تبور

قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾

الله – الغني الحميد –
يسمّي الصدقة قرضًا له،
ويضمن مضاعفتها.

فمن سمع هذا الوعد ثم أمسك، فإمّا:

  • ضعف يقينه

  • أو غلبه غضب

  • أو أسرته مشاعر عابرة

  • أو ربط عمله بالناس لا بالله


التوقف عن الخير بسبب الناس… خسارة مزدوجة

التوقف عن العطاء بسبب:

  • كلمة قاسية

  • خطأ من مستفيد

  • موقف مخيّب

  • ضيق نفسي

  • جرح لم يُعالَج

سلوك مذموم؛
لأنه يحوّل العبادة إلى ردّة فعل،
ويجعل الإحسان مرهونًا بالآخرين.

ومن ترك الخير لأجل الناس…
فقد عمل للناس لا لله.


الخلاصة

ثبّت إحسانك… ولا تجعل الناس حُكّامًا عليه

العطاء عبادة،
والعبادة لا تُدار بالمزاج،
ولا تُبنى على الانفعالات.

إن هممت بالبخل بعد سخاء، فتذكّر:

  • أن الله عاتب أبا بكر الصديق نفسه

  • أن العطاء لا ينقص المال

  • أن الله يضاعف القليل أضعافًا كثيرة

  • أن مغفرة الله أثمن من أي موقف بشري

﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

ليست هذه آية تُتلى فقط،
بل درع إيماني يُطفئ البخل الطارئ
كلما تسلّل إلى القلب.

Responsive Counter
General Counter
16600
Daily Counter
251