المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
ليست السخرية كلمةً عابرة تُقال ثم تتلاشى،
ولا ضحكةً تُرمى في الهواء لتزجية الوقت أو لإثبات الهيبة أمام الآخرين.
السخرية – منذ فجر التاريخ – كانت من أعمق الأسلحة النفسية التي استخدمها البشر ضد بعضهم،
وأحد أخطر السلوكيات التي قادت أممًا بأكملها إلى الهلاك.
هي في حقيقتها ليست قوة، ولا خفة دم،
بل ضعفٌ في الروح، وانحرافٌ عن الفطرة،
واعتداءٌ صريح على كرامة الإنسان الذي كرّمه الله.
السخرية ليست «مزحة»،
إنها جرحٌ نفسيّ صامت قد يرافق الإنسان سنواتٍ طويلة،
وقد يترك آثارًا لا تُمحى.
قد تدفع بعض الضعفاء إلى:
فقدان الثقة بالنفس
الانطواء والعزلة
الانهيار الداخلي
وهي كذلك معولٌ يهدم القيم داخل المجتمع،
ويقطع أوتار المودة،
ويمهّد لانتشار البغضاء والكِبر والتنمر.
ولهذا جاء الإسلام بتحريمٍ صريحٍ للسخرية،
لأنها ليست سلوكًا ظاهريًا فقط،
بل انعكاسٌ لفساد القلب وغياب الرحمة.
لم يكتفِ القرآن بالنهي عن السخرية بين الناس،
بل عرض نماذج تاريخية لأقوام سقطوا بسبب استهزائهم بالحق،
وبالرسل، وبآيات الله.
وهذا يؤكد أن السخرية ليست ضعفًا أخلاقيًا فحسب،
بل علامة انحراف حضاري يقود إلى هلاك الفرد والأمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾
تصويرٌ مؤلم لمجرمين يسخرون من أهل الإيمان،
وكأن الطهارة والصدق موضع استهزاء.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
عادةٌ قديمة في نفوس الجاحدين،
ونهايتها دائمًا وبالٌ وخسران.
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولَهُ هُزُوًا﴾
وهو أخطر أنواع السخرية،
لأنه استهزاء بالحق ذاته.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
السخرية ليست بلا حساب،
والله يتولى أمر عباده ويكفيهم شر المستهزئين.
أخطر ما في السخرية أنها لا تترك أثرًا على الجسد،
بل تنغرس في الروح.
الإنسان المسخور منه قد يحمل داخله:
الشعور بالدونية وانعدام القيمة
الخجل والعار الاجتماعي
الخوف من الظهور والتعبير
القلق والاكتئاب والانطواء
فقدان الثقة بالنفس وبالآخرين
وقد يظل موقفٌ ساخر واحد عالقًا في الذاكرة سنواتٍ طويلة،
يتحوّل إلى حاجزٍ نفسي يمنع النجاح والتقدّم.
وقد أثبتت دراسات نفسية حديثة أن السخرية المتكررة – خاصة في الطفولة –
تُعد من أشكال الاعتداء النفسي الذي لا يقل أثره عن الإيذاء الجسدي.
عندما تنتشر السخرية، تتحول إلى ثقافة عامة،
ويصبح المجتمع:
قليل الاحترام
فاقدًا للتسامح
مليئًا بالتنمر
محدود الإبداع (لأن السخرية تقتل المبادرة)
متعاليًا على الحق، مكابرًا أمام الواضح
والتاريخ شاهدٌ أن الأمم التي سخرت من الحق، سخر منها الزمن.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾
وهذا ليس نهيًا شكليًا،
بل قاعدة أخلاقية لبناء مجتمعٍ سليم.
وقال النبي ﷺ:
«بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»
فالسخرية في أصلها احتقارٌ مغلّف بالضحك.
كلمةٌ واحدة قد:
تدفع إنسانًا للبكاء ليلًا
تدمّر ثقة طفلٍ بنفسه
تحطّم قلب شاب أو فتاة
تخلق عقدةً تستمر العمر كله
السخرية ليست مضحكة… بل مؤذية،
ولا يعرف عمق الجرح إلا من ذاقه.
لأنها تُسقط المروءة وتفضح ضعف النفس
لأنها تناقض الرحمة، وهي جوهر الإنسانية
لأنها تهدم العلاقات وتزرع الكراهية
لأنها تقود إلى الكِبر واحتقار الناس
لأنها تشبه سلوك أهل الهلاك
لأنها قد تكون سخرية مما يحبه الله
لأنها لا تليق بإنسانٍ ناضج كريم النفس
السخرية سهمٌ صامت؛
قد لا يراه الناس، لكنه يصيب القلب.
قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
الحياة قصيرة،
والقلوب هشّة،
والكلمة الطيبة عبادة.
فلنبتعد عن السخرية – حتى مزاحًا –
ولنجعل ألسنتنا مصدر رحمة لا مصدر جرح.
ومن كان عاقلًا، فليتذكر:
لا تسخر من أحدٍ مهما كان…
فقد يكون عند الله أرفع منك منزلة،
وقد تكون سخريتك سبب سقوطك لا سقوطه.