المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
لم تكن كلمات النبي ﷺ:
«أرحنا بها يا بلال»
مجرد طلبٍ لإقامة شعيرةٍ روتينية، ولا عبارةً عابرة تُقال عند دخول الوقت،
بل كانت تعبيرًا دقيقًا عن حقيقة الصلاة في التصور الإيماني:
راحةٌ لا عبء، سَكَنٌ لا ثِقَل، ملجأٌ لا واجبٌ ثقيل.
كانت الصلاة عند النبي ﷺ مرفأ القلوب المتعبة،
والمكان الذي تُوضَع فيه أثقال الدنيا،
وتُداوى فيه الجراح الخفية،
وتُستعاد فيه الطمأنينة التي تتعب النفوس في البحث عنها.
أما نحن اليوم، فقد انقلب المفهوم عند كثيرٍ من الناس.
أصبحت الصلاة عند طائفةٍ غير قليلة:
همًّا ثقيلًا
واجبًا مُتعبًا
عبئًا ينتظر صاحبه نهايته
حتى صار لسان الحال يقول:
«أرحنا منها»
لا: «أرحنا بها».
كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر، أو ضاقت عليه الدنيا،
لم يبحث عن تسليةٍ دنيوية،
ولا عن مهربٍ مؤقت،
بل كان يلوذ بالصلاة.
فيها كان يجد:
راحة النفس
انشراح الصدر
طمأنينة الروح
اتصالًا مباشرًا بربّ العالمين
فالصلاة ليست حركاتٍ تُؤدّى،
ولا كلماتٍ تُردَّد،
بل:
بوابة نور، ونافذة على السماء، ولقاء بين العبد وربه.
كثيرٌ منا اليوم يصلّي بجسدٍ حاضر، وقلبٍ غائب.
نقرأ الفاتحة وأذهاننا في التجارة،
نركع وصدورنا مثقلة بالهموم،
نسجد بين يدي الله بينما نفكر في دنيا لا تنتهي.
وهكذا تتحول الصلاة من راحةٍ إلى واجب،
ومن استراحةٍ روحية إلى محطة تفكير دنيوي.
قال الله تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
وإضاعة الصلاة لا تعني تركها فقط،
بل يدخل فيها:
أداؤها بلا خشوع
أداؤها بلا حضور قلب
تفريغها من معناها
جعلها آخر الاهتمامات
انتظار نهايتها بدل التلذذ بها
من أدّى الصلاة بالجسد، وضيّعها بالقلب،
فقد دخل دائرة الخطر التي حذّرت منها الآية.
القلوب التائهة تبحث عن الراحة في كل شيء:
تطوير الذات
العلاج النفسي
السفر
الترفيه
الكتب
وتنسى أن أعظم راحة خُلقت على الإطلاق هي:
سجدةٌ صادقة بين يدي الله.
المؤمن حين يدخل الصلاة،
يخلع أتعاب الدنيا عن كتفيه،
ويضع قلبه بين يدي خالقه،
ويقول بلسان حاله:
يا رب، لا راحة إلا عندك، ولا سكينة إلا بقربك.
لأننا ندخل الصلاة مباشرة من صخب الدنيا بلا تهيئة قلبية.
لأن عقولنا مشغولة بكل شيء إلا بالله.
لأن العبادة صارت جسدية بلا روح.
لأننا تعاملنا مع الصلاة كواجبٍ ثقيل لا كلقاءٍ محبوب.
بينما كان النبي ﷺ يجد فيها أعظم لذاته الروحية.
استحضر قبل كل صلاة أنك واقف أمام الله، لا أمام الناس.
اقطع صلتك بالدنيا لحظات قبل التكبير.
تذوّق كلمات القرآن كأنك تسمعها لأول مرة.
أطِل السجود، فهو موضع القرب الحقيقي.
تذكّر أن الصلاة دواءٌ لا اختبار، وراحةٌ لا عقوبة.
حينها فقط، سيخرج قول:
«أرحنا بها»
من قلوبنا… لا من ألسنتنا.
لا تسأل نفسك:
هل صلّيت؟
بل اسأل:
هل وقفتُ أمام الله بقلبي؟
هل خرجتُ من الصلاة أهدأ مما دخلت؟
الصلاة ليست حركةً تُسقط عنك واجبًا،
بل جسرٌ إلى الله.
وليست عبئًا نتحرر منه،
بل راحة نعود إليها.
وإن لم نعد نفهم معنى:
«أرحنا بها يا بلال»
فلنراجع علاقتنا بالصلاة،
قبل أن نكون — من حيث لا نشعر — ممن قال الله فيهم:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾
نسأل الله أن يجعل الصلاة راحةً لقلوبنا،
ونورًا لصدورنا،
وسكينةً لأرواحنا،
وأن يحيي بها ما مات فينا من خشوعٍ وإيمان.