المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
هناك أمثالٌ عربية لا نعرف متى وُلدت، ولا من أطلقها أول مرة، لكنها — من شدة التصاقها بالواقع — تبدو وكأنها كُتبت خصيصًا لعصرنا.
ومن هذه الأمثال قولهم:
«شهاب الدين أضرب من أخيه»
ويُقال هذا المثل حين يُخيَّر الإنسان بين أمرين كلاهما سيئ، فلا يجد مخرجًا، ولا يستطيع تحديد أيهما أهون، لأن كليهما في المسار نفسه… بل ربما في الهاوية ذاتها.
وحين ننظر اليوم إلى واقع التعليم في عالمنا العربي، نجد هذا المثل جالسًا بثقة، يبتسم بسخرية، وكأنه يقول: أنا وُضعت لهذا المشهد بالذات.
منذ عقود طويلة، ظل باب التعليم العالي يُفتح ويُغلق وفق معيار واحد قاسٍ:
درجات الثانوية… ثم لا شيء بعدها.
لا اعتبار للظروف الاجتماعية
لا تقدير للفروق الفردية
لا قياس حقيقي للمواهب
لا اكتشاف للميول النفسية
بل ورقة امتحان واحدة تقرر مصير إنسان لسنوات طويلة.
ومع إدخال ما سُمّي بـ «اختبارات القدرات» في بعض الدول، ظن الناس أن النظام تطوّر، فإذا بها اختبارًا إضافيًا لا يحرّر الطالب، بل يقيّده أكثر، ويضيف حلقة جديدة إلى سلسلة التعجيز بدل أن يكشف القدرات الحقيقية.
وهكذا، يجد الطالب الذي كان يحلم بالطب أو الهندسة أو العلوم نفسه — فجأة — في كلية التربية، لا لأنه يرى نفسه مربّيًا أو معلّمًا، بل لأنه لم يجد خيارًا آخر، ولأن نظام القبول قرر أن يُلقيه هناك شاء أم أبى.
فتخرج أجيال من المعلّمين — إلا من رحم الله — لا علاقة حقيقية لهم بمهنة التعليم سوى الشهادة الورقية:
لا شغف
لا رغبة
لا إحساس بالرسالة
لا استعداد نفسي للتعامل مع بشر، فضلًا عن أجيال كاملة
في الجهة المقابلة، نشأ جيل جديد لم يعد المعلّم المدرسي مصدره الأساسي للمعرفة.
لقد حلّ مكانه الهاتف المحمول.
جيل يتعلّم من:
مقاطع تيك توك لا تتجاوز عشر ثوانٍ
فيديوهات: «كيف تصبح عبقريًا في 30 ثانية»
نكات ومقالب وتفاهات تتخفّى تحت اسم «محتوى»
جيل تربّى على يد معلّم جديد، معلّم لا يعرف التربية، بل يعرف فقط ما يُرضي الخوارزميات، وما تحبه الخوارزميات نادرًا ما يكون علمًا أو معرفة.
فمن المسؤول؟
هل هو المعلّم الذي لم يُهيَّأ؟
أم المتعلّم الذي خطفه «معلّم الشاشة»؟
يأتي جواب المثل بلا تردّد:
شهاب الدين… أضرب من أخيه.
كيف ننتظر نتائج تعليمية قوية:
والمعلّم لم يختر مهنته؟
والمتعلّم لم يعد يؤمن بمستقبله أصلًا؟
صار التعليم واجبًا روتينيًا بلا رسالة،
وصارت المدرسة مكانًا يهرب إليه المعلّم قبل أن يهرب منه الطالب،
وأصبح الطرفان متشابهين… كأخوين لا تدري أيهما أسوأ.
رغم هذا الواقع القاتم، ما زال الإصلاح ممكنًا، إن أردناه إصلاحًا حقيقيًا لا شعارات.
عدم الاكتفاء بدرجات الثانوية
مقابلات شخصية تكشف الاستعداد النفسي لمهنة التعليم
اختبارات تربوية متخصصة، لا اختبارات شكلية عامة
تحسين الرواتب والامتيازات
منح دراسية خاصة لمن يختار التعليم عن قناعة
مسارات واضحة للتطوّر المهني داخل المدارس
ليس دورة سريعة، ولا محاضرة عابرة، بل تدريب حقيقي في:
علم النفس التربوي
التعامل مع جيل التكنولوجيا
طرائق التدريس الحديثة
إدارة الصف
مهارات الإلقاء والتواصل
دروس قصيرة عالية الجودة
منصات تعليمية تفاعلية
محتوى تربوي مُعدّ باحتراف
مسابقات علمية رقمية
ليعود قدوةً وقائدًا تربويًا، لا مجرد موظف ينتظر نهاية الدوام.
فمن دون الأسرة، يبقى أي إصلاح ناقصًا؛
فالأسرة هي المدرسة الأولى، وهي التي تحدد احترام الطفل للعلم والتعليم.
ليست المشكلة في «معلّم سيئ» أو «طالب سيئ»،
بل في منظومة أنجبت الاثنين.
وإذا أردنا إصلاح الجيل القادم، فعلينا أن نبدأ بمن يصنعه: المعلّم،
وبمن سيتسلّم مستقبله: المتعلّم.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المثل العربي يصف حالنا بدقة مؤلمة:
«شهاب الدين… أضرب من أخيه»
لكن الأمل باقٍ أن نستبدله يومًا بمثلٍ آخر:
«نهض التعليم… فنهضت الأمة.»