Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل

هناك جملةٌ شهيرة علِقت في ذاكرة أجيالٍ كاملة من أبناء السبعينيات والثمانينيات:

«أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل.»

قالها الفنان الراحل أحمد زكي في فيلمٍ أُنتج عام 1977، حين جسّد شخصية شاب فقير يعمل مع والده في مهنةٍ قاسية على النفوس ونظرات الناس: حفر القبور وتجهيز الموتى.
ورغم ثِقل المهنة وقسوة النظرة الاجتماعية لها، كان ذلك الشاب يحمل قلبًا نقيًا وطموحًا صادقًا؛ التحق بالجامعة وبدأ رحلة البحث عن معنى آخر لحياته.


حين يفرض المجتمع القناع

لم يتركه الفارق الطبقي وشأنه. أحب زميلته الجامعية، فتاة من طبقة اجتماعية أعلى. وحين سألته عن مركزه ومنصبه، تردّد… ثم قال:

«أنا خالي وزير.»

كانت توصله بسيارتها إلى عمارة فخمة، تتركه عند بابها، فيدخل متظاهرًا أنه يسكن هناك. وما إن تغيب حتى يخرج ويعود إلى بيته المتواضع الملاصق للمقبرة.

وفي نهاية الفيلم، تنكشف الحقيقة. تراه وهو يجهّز القبر مع والده. تواجهه وتسأله: لماذا كذبت؟
فيرد بجملة بقيت حيّة حتى اليوم:

«أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل.»


الضغط الاجتماعي: حين يُجبر الفقير على ارتداء قناع

لم يكن الشاب كاذبًا بمعنى الخداع المتعمّد، بل كان ضحية مجتمع يضغط على الضعيف، ويدفعه للهروب من واقعه، ويطالبه أن يرتدي قناعًا أكبر من مقاسه حتى يُقبل.

المشكلة لم تكن فيه، بل في مجتمعٍ يرى الإنسان من خلال ماله ومركزه ومنصبه، قبل أن ينظر إلى قلبه وأخلاقه وقيمه.

مجتمع يصنع طبقاتٍ وهمية لا يقرّها دين، ويقنع الناس أن قيمتهم في جيوبهم لا في ذواتهم.

وفي ميزان الإسلام:

«لا فضل لعربيٍّ على أعجمي، ولا لأعجميٍّ على عربي، إلا بالتقوى.»

المساواة هنا ليست شعارًا أخلاقيًا، بل نظام حياة.
لكن البشر — حين يبتعدون عن قيمهم — يعيدون إنتاج الطبقية بأيديهم.


التجمّل: هروب أم طلب للقبول؟

حين يقول إنسان:

«أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل»

فهو في الحقيقة يطلق صرخة داخلية صامتة:

لا ترفضوني كما أنا.
اسمحوا لي أن أبدو جميلًا في أعينكم.
دعوني أكون منكم… ولو قليلًا.

هو لا يكذب ليستغل، بل يتجمّل ليحتمي.
يحاول فقط أن يعيش في مجتمعٍ قد يلفظه لو عرف أصله أو دخله أو مهنة أهله.
يحاول أن يتكيّف مع معايير ترى المظاهر قبل الإنسان.


الإنسان القوي لا يتجمّل… بل يشكر

الإنسان السوي، الواثق بالله قبل أن يثق بنفسه، لا يحتاج إلى هذه الأقنعة.

لا يحتاج أن يتجمّل ليُقبل،
ولا أن يرفع صوته ليُسمَع،
ولا أن يغيّر أصله ليُحترم.

هو يعيش كما هو:

  • صادقًا

  • نظيف القلب

  • شاكرًا

  • قانعًا

يرى النعمة في الصحة قبل المال،
وفي الرضا قبل الشهرة،
وفي القناعة قبل الممتلكات.

ويؤمن يقينًا أن الرزق بيد الله وحده، وأن العطاء والمنع كلاهما ابتلاء:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

فمن أُعطي فليعلم أن العطاء اختبار،
ومن مُنع فليعلم أن المنع قد يكون رحمة،
ومن شكر في الحالين فقد فاز.

أما من كفر بالنعمة — مهما تجمّل وتزيّن — فخسارته في قلبه قبل دنياه.


الخلاصة

«أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل»
ليست جملة عابرة، بل مرآة لمجتمع يقيس الناس بثيابهم لا بثباتهم، وبمظاهرهم لا بجواهرهم.

أما الإنسان الحقيقي، العارف بربه، فيعلم أن أفضل زينة في الدنيا هي:

  • الصدق

  • الرضا

  • الشكر

  • القناعة

ولا يحتاج أن يتجمّل ليُقبل؛
فالله — قبل الناس — يقبل عبده كما هو، ما دام قلبه جميلًا.

Responsive Counter
General Counter
16686
Daily Counter
337