المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
مقال في الوفاء الغائب
الوفاء قيمة إنسانية عظيمة، كانت يومًا عنوان الشرف والنبل وصدق المعاملة، ثم ما لبثت أن صارت نادرة في زمنٍ كثر فيه الجحود، حتى غدت ذكرى تُروى أكثر مما تُعاش. والمؤلم أن الإنسان — قبل الدين وقبل الإيمان — مُطالب بإنسانيته وفطرته أن يعرف الفضل لأهله، وأن يحفظ المعروف، وألا ينسى من أحسن إليه.
لكننا نرى اليوم من يجحد الخير وينكر الجميل، بينما تضرب لنا الحيوانات — التي لا عقل لها ولا تكليف — أمثلة مدهشة في الوفاء. فالأسود الضارية، التي لا تعرف إلا الصيد والبقاء، تركض إلى من ربّاها صغيرة، تحتضنه وتلعق يده، وكأنها تقول: لم أنسَ معروفك. غلب الوفاء وحشيتها، بينما غلبت النفس والهوى والشيطان كثيرًا من البشر.
وهو أعظم الوفاء وأشرفه. فالإنسان يعيش في نعم الله منذ خُلق: خلق، ورزق، وهداية، وستر، وعافية، وأمن، ورعاية… نعم لا تُعد ولا تُحصى. وأعظم الوفاء أن يشكر العبد ربَّه، وأن يطيعه، وألا يغفل عن إحسانه، وألا يجعل النعمة وسيلة للغفلة أو الطغيان.
وهو الذي حمل رسالة ربّه، وأخرج البشرية من الظلمات إلى النور. والوفاء له يكون بحبه الصادق، واتباع سنته، وتعظيم سيرته، واحترام جهده العظيم الذي بذله لتصل إليك كلمة لا إله إلا الله.
بعد الوفاء لله ورسوله، يأتي الوفاء للوالدين. فهما سبب وجودك، وسند طفولتك، وسهر لياليك، وضحّيا من أجلك، وأحباك حبًا لا يعرف المقايضة. ومع ذلك، ينسى بعض الأبناء هذا الفضل ويجحدون المعروف، إلا من رحم الله.
ثم يأتي الوفاء للإخوة، والأقارب، والأصدقاء، وكل من كان له فضل وإحسان، كلٌّ بقدره ومكانته.
كان المعتمد بن عباد ملك إشبيلية، كريم النفس، فتزوّج جاريته اعتماد بعد أن أعتقها، ورفعها من العبودية إلى الملك. وذات يوم قالت له إنها تشتاق لأن تلعب بالطين كما كانت تفعل في صغرها. فأمر أن يُخلط الطين بالزعفران — أغلى من الذهب — لتلهو كما تشاء.
مشهد نادر من مشاهد الوفاء بين ملك وزوجته، صُنع لأجل إسعاد قلبها فقط.
لكن التاريخ لا يُقاس بالمشاهد، بل بالمواقف.
حين استنجد ملوك الأندلس بيوسف بن تاشفين لإنقاذهم من الإسبان، لبّى النداء، وانتصر في معركة الزلاقة، ووقف موقف وفاء عظيم. لكن المعتمد خان العهد لاحقًا، وتحالف مع الإسبان ضد من أنقذه، طمعًا في الملك والسلطان.
فكانت عاقبته أن أُسر وسيق إلى المغرب، وذاق من كأس الجحود الذي سقاه لغيره.
في السجن، ذكّر المعتمد زوجته بأيام النعيم، فقالت ببرود قاسٍ:
ما رأيت منك خيرًا قط.
فنظر إليها وقال كلمته الخالدة التي هزّت التاريخ:
ولا حتى يوم الطين؟
ذكّرها بيومٍ واحد، يومٍ لم يفعله ملك لامرأة، يوم ملأ لها الطين بالزعفران فقط ليسعدها. لكنها نسيت… كما نسي هو معروف يوسف بن تاشفين. فكان جحود الناس مرآة عادلة لجحوده السابق.
عندما يختفي الوفاء:
تنهار العلاقات
وتذبل الأُسر
ويفسد المجتمع
ويكبر الحسد
ويسود الجفاء
وتُرفع البركة من الحياة
الوفاء ليس ترفًا أخلاقيًا، بل أساس الإنسانية، وميزان القلوب الحيّة التي تعرف قيمة المعروف.
وليس الإنسان بحاجة إلى مالٍ ولا سلطان ليكون وفيًّا، بل إلى:
ضمير حي
نفس طيبة
ذاكرة عادلة
في زمن صار الجحود فيه عادة، يبقى السؤال المؤلم معلّقًا في القلوب:
هل بقي في الناس من يتذكّر المعروف…
ولا حتى يوم الطين؟