المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
قراءة قرآنية بليغة في طبائع البشر وأسباب السمو الإنساني
ما أعجب هذا الكائن الذي اسمه الإنسان!
يبدأ ضعيفًا، ويعيش مضطربًا، ويتقلّب في نِعَم لا يحصيها، ثم يتعالى كأنما خُلق من جوهرٍ مُقدّس أو نورٍ مُكرّم.
غير أن القرآن الكريم يهدم هذا الغرور هدمًا منهجيًا، ويعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى حين يقطع صلته بالله ويترك نفسه لطبيعتها الخام.
قال الله تعالى في سورة عبس:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
هذه الآيات ليست تأمّلًا هادئًا، بل صفعة قرآنية تردّ الإنسان إلى حجمه الحقيقي:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
تعجّب مقرون باللوم على جحود النعمة.
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾
سؤال يهدم أساس الكِبر.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾
أصل ضعيف، لكن بتقدير محكم.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾
تيسير للحياة والهداية والفرص.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾
نهاية واحدة مهما عظمت الدنيا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
بعث وحساب… فلا موضع للغرور.
قال تعالى في سورة المعارج:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
خوف داخلي مضطرب: من الفقر، من المرض، من المستقبل.
قلق وجودي لا يزول بكثرة المال.
اعتراض داخلي على القدَر، لا مجرد حزن.
أدنى بلاء يهز النفس التي لم تتربَّ على الإيمان.
حين تأتي النعمة، يُمسك بها الإنسان كأنها ملكه لا عطاء الله.
الصلاة نور يكسر الهلع، ويطفئ الجزع، ويحرر القلب من المنع،
لأنها تذكّر الإنسان أن الكل من الله وإليه.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
الشح ليس مجرد بخل، بل:
حب التملّك المرضي
الخوف من الفقد
الأنانية
التعلّق المفرط بالدنيا
قد يكون الإنسان غنيًا منفقًا لكنه شحيح القلب،
وقد يكون فقيرًا مهووسًا بالمال.
فالنجاة ليست في كثرة المال، بل في كسر سطوته على القلب.
لم يترك القرآن الإنسان عاريًا أمام ضعفه، بل وضع له طريق الارتقاء:
مدرسة يومية تعيد تشكيل النفس، وتحول القلق إلى سكينة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾
الإنفاق يقتل الخوف من الفقر، ويزرع اليقين بالرزق.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
التقوى نظام حياة يضبط الشهوات ويهذب النفس.
الأخلاق هي الترجمة الحيّة للإيمان:
رحمة
كرم
تواضع
حياء
عفو
لا قيمة لعبادة لا تغيّر صاحبها.
ينجو الإنسان إذا:
ملأ قلبه صلاة وخشوعًا
قدّم حق الله في ماله
راقب نفسه بالتقوى
تشبّع بالأخلاق النبوية
جعل همّه الآخرة لا الدنيا
القرآن لا يذمّ الإنسان، بل يكشف ضعفه ليقوّيه، ويعرّي شحّه ليطهّره.
النفس البشرية وحش إذا تُركت بلا ترويض،
ونور إذا قادتها التقوى.
فالإنسان الحقيقي هو من انتصر على الإنسان الذي بداخله،
وصعد فوق طبعه،
وجعل صلته بالله طريق سموّه، وسكينته، وكرامته الحقيقية.