Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

مقال تفسيري: معنى قوله تعالى

 

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾
وصلته بواقعنا المعاصر

تُعَدّ هذه الآية الكريمة من سورة مريم من أشدّ آيات التحذير التي تتناول أخطر نقطة انهيار في حياة الأمم والأفراد: الصلاة.
فالصلاة ليست مجرّد عبادة بدنية تؤدّى بالحركات، بل هي صِلة حيّة بين العبد وربّه، وروح للقلب، ونور يهدي السلوك. وحين تضعف الصلاة أو تُفرَّغ من معناها، يبدأ الانحدار الروحي والأخلاقي دون أن يشعر الإنسان.

قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
[مريم: 59]


أولًا: معنى قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾

الخَلَف في اللغة يُطلق على الجيل الذي يأتي بعد غيره، وغالبًا ما يُستعمل في الذم إذا كان اللاحق أقلّ صلاحًا من السابق.
والآية تتحدث عن أجيال جاءت بعد الأنبياء والصالحين، فلم تحفظ العهد، ولم تصن العبادة، فبدأ الانحراف من أخطر موضع: الصلاة.

وهذه سُنّة قرآنية متكررة:

إذا ضاعت الصلاة، ضاع الدين من بعدها.


ثانيًا: ما معنى ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؟

إضاعة الصلاة لا تعني تركها بالضرورة، بل تشمل نوعين خطيرين:

1. إضاعة الوقت

أي عدم المحافظة على أوقاتها:

  • تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر

  • تقديم مشاغل الدنيا عليها

  • الجمع بلا حاجة

  • التهاون بالفجر والعشاء

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

«أضاعوها: ليس بتركها، ولكن أضاعوا وقتها.»

2. إضاعة المعنى والخشوع (وهي الأخطر)

  • أداء الصلاة بلا حضور قلب

  • سرعة الركوع والسجود دون تعظيم

  • قراءة القرآن بلا فهم ولا تدبر

  • التفكير في الدنيا داخل الصلاة

  • عدم تغيّر السلوك بعد الصلاة

قال بعض السلف:

«لو تركوها لكفروا، ولكنهم ضيّعوا حدودها وخشوعها.»


ثالثًا: معنى ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

حين تضعف الصلاة، تضعف صلة القلب بالله، ولا يبقى الإنسان بلا عبودية:

  • إمّا عبدًا لله

  • أو عبدًا للهوى

فإضاعة الصلاة تفتح الباب تلقائيًا لاتباع الشهوات، لأن الصلاة هي الحارس الداخلي للسلوك.


رابعًا: معنى ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾

الغيّ يشمل:

  • الخسران

  • الضلال

  • العذاب

  • أو وادٍ في جهنم كما قال بعض السلف

والمعنى الجامع:
عاقبة الانفصال عن الصلاة والانغماس في الشهوة في الدنيا والآخرة.


خامسًا: صلة الآية بواقعنا المعاصر

نعم، واقعنا اليوم يدخل في معنى الآية بوضوح شديد، ومن مظاهر ذلك:

1. الصلاة بلا روح

يصلّي كثيرون، لكن:

  • قلوبهم في العمل والتجارة

  • عقولهم في الهاتف والمشاكل

  • حركات بلا خشوع

2. الصلاة عادة لا عبادة

يصلّي ليُسكت ضميره لا ليُصلح قلبه.
تنتهي الصلاة وتعود الخصومة والغيبة والظلم وكأن شيئًا لم يكن.

3. الانشغال بالدنيا داخل الصلاة

يتذكّر الإنسان تفاصيل يومه بعد تكبيرة الإحرام، وهذه من علامات الإضاعة.

4. التهاون في الأوقات

  • تأخير الفجر حتى تطلع الشمس

  • التساهل في الجمع

  • ترك السنن التي تُكمّل الفريضة


سادسًا: لماذا وصل الناس إلى هذه الحالة؟

  • ضعف التدبر في الفاتحة والقرآن

  • سرعة الحياة وضغط الانشغالات

  • غياب التربية الإيمانية العميقة

  • الجهل بحقيقة أثر الصلاة

فالصلاة ليست واجبًا فقط، بل:

  • راحة للقلب

  • إصلاح للسلوك

  • تقوية للإرادة

  • وقاية من الذنوب


سابعًا: كيف ننجو من معنى الآية؟

  1. المحافظة الصارمة على الوقت

  2. استحضار عظمة الله عند التكبير

  3. إطالة الركوع والسجود بطمأنينة

  4. تدبر القرآن خارج الصلاة

  5. تهدئة النفس قبل الصلاة بدقائق

  6. فهم أن الصلاة تُصلحك، لا مجرد تُسقط الفرض


الخاتمة

هذه الآية ليست قصة تاريخية، بل تحذير ممتد لكل زمان.
ومعنى ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ ليس تركها، بل تفريغها من روحها.

فالصلاة هي الميزان الدقيق لحياة القلب:

  • إن صلحت، صلح العمل كله

  • وإن فسدت، فسد العمل كله

نسأل الله أن يجعل الصلاة قرّة أعيننا، وروح قلوبنا، وسبب نجاتنا، وألا يجعلنا ممن ضيّعها ظاهرًا أو باطنًا.

Responsive Counter
General Counter
16667
Daily Counter
318