المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
يروي أهل العلم أن إبليس — قبل المعصية — كان من العابدين،
وكان في بعض الروايات يُسمّى عزازيل،
وكان بين الملائكة مقرّبًا بالطاعة وكثرة العبادة.
لم يكن جاهلًا بالله، ولا غافلًا عن أمره،
بل كان يعرف ربّه، ويعرف السجود، ويعرف سرّ الطاعة.
ولكن حين أمره الله بالسجود لآدم،
ظهر ما كان خفيًا في أعماقه، فقال:
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾
[الأعراف: 12]
لم يقل: أخطأت.
لم يقل: سامحني.
بل قال: أنا.
هنا انكشف الداء الحقيقي:
ظنّ أن العبادة من نفسه، لا من فضل الله.
وهذا هو أصل كِبْر أهل العلم والعبادة عبر التاريخ.
الإنسان الجاهل إذا تكبّر،
ظهر كِبْره سريعًا، وانكشف قبحه.
أما العالم أو العابد إذا تكبّر،
فإن كِبْره يتزيّن بالآيات،
والأحاديث،
والفقه،
والمواعظ،
فيصبح الكِبْر مغطّى بثوب الدين نفسه.
قال النبي ﷺ:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر.»
فقيل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟
فقال ﷺ:
«إن الله جميل يحب الجمال.
الكِبْر: بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس.»
بَطَرُ الحقّ: ردّه والاستعلاء عليه
غَمْطُ الناس: احتقارهم والنظر إليهم بدونية
وهذا عين ما وقع فيه إبليس.
العلم،
والعبادة،
والفهم،
والقبول بين الناس —
ليست تكريمًا فقط، بل ابتلاء.
قال تعالى:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
[النحل: 53]
لكن النفس تهمس:
أنت تعلّمت
أنت اجتهدت
أنت أفضل من غيرك
فينسى الإنسان:
العقل الذي منحه الله
الظروف التي يسّرها له
البيئة التي تعلّم فيها
الصحة التي قويت بها ذاكرته
الهداية التي ثبّتت قلبه
فيظن أن الفضل له، لا لله.
وهذا هو الشرك الخفي.
لا يغضب لله، بل لنفسه.
فهذا عبدٌ لنفسه لا لربّه.
ينسى أن الهداية بيد الله،
وأن الله قد يهدي أميًّا على يد جاهل.
مع أن النبي ﷺ — وهو أعظم من حفظ القرآن —
جلس على الأرض وقال:
«إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد.»
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
«رُبّ علمٍ كثير أورث صاحبه الكِبْر.»
وقال الإمام أحمد رحمه الله:
«العلم لا يعدل شيئًا إذا صحّت فيه النية.»
قيل: وما صحّة النية؟
قال: «أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن الناس،
لا رفع نفسه فوق الناس.»
جادل الإمام الشافعي رحمه الله تلميذه الكرابيسي في مسألة،
فلما أخطأ الكرابيسي قال الشافعي:
«أخطأنا نحن، وأصاب الله.»
لم يقل: أنا أصبت.
ولم يقل: أنا العالم وأنت التلميذ.
بل نسب الحق إلى الله، والخطأ إلى البشر.
رجل يعلّم الناس القرآن لسنوات،
له صوت جميل، وطلبة كُثُر، واحترام ظاهر.
ثم بدأ مع الزمن ينظر إلى الناس من علٍ،
ويحتقر من يخطئ أمامه،
ونسي أن الله قادر أن يقلب القلوب في لحظة.
وقد ورد في الحديث أن من تعلّم العلم ليُقال:
“عالم”،
كان من أوائل من تُسعَّر بهم النار.
إن الله لا يبتلي الإنسان بالمعصية وحدها،
بل يبتليه بالطاعة أيضًا.
إن نسبتَ الطاعة لنفسك:
سقطت كما سقط إبليس.
وإن نسبتَها لله:
ثبتّ كما ثبت الأنبياء والصديقون.
اللهم إن أعطيتنا علمًا، فلا تجعلنا نرى به أنفسنا.
وإن رفعتنا بين الناس، فلا تتركنا لأنفسنا طرفة عين.
اللهم طهّر قلوبنا من العُجب والكِبْر،
واجعل علمنا جسرًا إلى الجنة،
لا سُلّمًا إلى النار.