المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في عصر السرعة والمظاهر، بات من المؤسف أن نرى بعض الشباب يسيرون في الحياة بخطى واثقة ظاهرًا،
لكنها في حقيقتها خطوات على هوامش الفراغ النفسي والقيمي.
هذا الزهو الذي يعتري النفوس لا يولد من فراغ،
بل هو ثمرة خلل تربوي يبدأ في البيت،
حين يغفل بعض الآباء عن غرس القيم الصحيحة،
ويزرعون — عن غير قصد أحيانًا — أوهام التميّز والغرور في نفوس أبنائهم.
فالطفل الذي يُربّى على أنه “أفضل من غيره”
دون أن يُفهم معنى التميّز الحقيقي
— القائم على الأخلاق والعمل والجد والاجتهاد —
سيكبر معتقدًا أن الناس خُلقوا لإرضاء أهوائه،
وأن العالم يدور حوله.
عندها يختلط التقدير الذاتي المشروع بالغرور الفارغ،
فتتشكل شخصية مأزومة يصعب تقويمها لاحقًا.
التربية ليست كلمات تُقال،
بل أفعال تُرى وتُقلَّد.
فالطفل يلتقط كل حركة، وكل لفظ، وكل ردّ فعل من والديه،
وغالبًا ما يكون سلوكه انعكاسًا لما يراه في البيت
أكثر مما يسمعه من توجيه مباشر.
فإذا رأى الأب متعاليًا،
أو متفاخرًا بما يملك أو بما يظن أنه يعلم،
تعلّم الطفل التعالي،
وأعاد إنتاجه بأسلوب قد يكون أشد قسوة على الآخرين.
أما إذا رأى الأب متواضعًا،
يحترم الناس،
يتحمّل المسؤولية،
ويعترف بخطئه،
فإن شخصية الطفل ستتشكل على هذه القيم،
وسيدرك أن التميّز الحقيقي
لا يُقاس بالألقاب ولا بالمظاهر،
بل بالأخلاق والعمل والإخلاص.
من أخطر أسباب غرور الأبناء ما يُعرف بالدلال المفرط،
حيث يمنح الآباء أبناءهم كل ما يريدون،
ويجنّبونهم أي تجربة صبر أو حرمان،
ظنًا أن ذلك تعبير عن الحب.
لكن الواقع أن هذا الأسلوب
ينتج شخصيات عاجزة عن تحمّل المسؤولية،
أنانية في المطالب،
ضعيفة أمام التحديات.
كم من شباب لم يُكملوا تعليمهم،
ومع ذلك يظنون أنفسهم عباقرة،
ويمنحون ذواتهم ألقابًا وهمية
مثل “دكتور” أو “خبير دولي”
لمجرّد حضور دورات قصيرة
أو قراءة بعض كتب التنمية الذاتية.
يعيشون في عالم من الأوهام،
يتغذّون على المديح،
بدل بناء قيمة حقيقية قائمة على العلم والعمل.
الرجوع إلى القرآن الكريم،
وتأمّل وصايا لقمان لابنه،
يمنحنا منهجًا تربويًا متكاملًا،
لا مجرّد نصائح عابرة.
﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾
هذه الوصايا ترسم ملامح تربية متوازنة تقوم على:
ترسيخ الإيمان بالله والتوكّل عليه
تهذيب النفس بالتواضع واحترام الآخرين
ضبط السلوك الظاهر في الكلام والمشية والتعامل
التربية على هذه الأسس تقي الأبناء من الغرور والأنانية،
وتمنحهم توازنًا نفسيًا واجتماعيًا،
فيعرفون قيمتهم دون تضخيم،
ويقدّرون غيرهم دون احتقار.
التواضع لا يُنقص من قيمة الإنسان،
بل يرفعها.
فالتميّز الحقيقي لا يكون بالتفاخر ولا بالاستعراض،
بل بالإخلاص في العمل،
والاجتهاد،
وخدمة الآخرين.
الغرور في حقيقته ضعف،
يحجب عن صاحبه رؤية عيوبه،
ويحبسه داخل أوهام
لا تصمد أمام الواقع.
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي،
يتعرّض الأبناء لمقارنات مستمرة
تُضخّم الأنا أو تولّد الشعور بالنقص.
وهنا تتعاظم مسؤولية الآباء في:
مراقبة المحتوى وتوجيهه نحو ما يغرس القيم
تعليم الأبناء أن الإنجاز ثمرة جهد، لا صورة ولا شهرة
ترسيخ أن القوة الحقيقية في الأخلاق، لا في الاستعراض
أيها الآباء والأمهات،
تربية الأبناء أمانة عظيمة،
ومسؤولية سنُسأل عنها أمام الله.
احذروا أن تزرعوا فيهم الغرور
أو الشعور بالتفوّق الزائف،
وازرعوا بدلًا من ذلك:
التواضع
حبّ العمل والاجتهاد
الإيمان بأن الأخلاق والقيم هي معيار التميّز الحقيقي
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾
اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا،
وازرع في قلوبهم التواضع والإيمان وحسن الخلق،
ونجّنا وإياهم من الزهو والكبر،
واجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.