المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرّد وسيلة للتسلية أو قضاء وقت الفراغ،
بل تحوّلت — للأسف — إلى ظاهرة نفسية واجتماعية خطيرة،
تسلب عقول الصغار والشباب،
وتستعبد حتى بعض الكبار الذين ظنّوا أنهم يسيطرون عليها،
فإذا بهم غارقون في دوّامة من الانفعال، والعصبية، والعزلة، والاضطراب النفسي.
بدأت الألعاب الإلكترونية في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات بصورة بسيطة وبريئة:
ألعاب محدودة الإمكانات، تُضحك وتُسلّي،
وأحيانًا تُنمّي التفكير دون أن تخلّف آثارًا نفسية أو اجتماعية مدمّرة.
لكن مع تطوّر التقنية، والرسوم ثلاثية الأبعاد،
وكِبَر الشاشات، والاتصال الدائم بالإنترنت،
تغيّر المشهد جذريًا.
تحوّلت اللعبة من تسلية عابرة
إلى عالم افتراضي كامل يبتلع العقول،
ويغذّي الانفعال،
ويزرع الغضب والتنافس المرضي،
بل وأحيانًا العدوانية والعزلة.
لم تعد اللعبة مجرّد لعبة،
بل إدمانًا صامتًا يتسلّل إلى النفس،
حتى يصبح صاحبها عبدًا للانتصار الرقمي:
يثور لغلبة خصمٍ افتراضي،
ويحزن لهزيمةٍ لا وجود لها في الواقع.
كثير من اللاعبين يعيشون تحت ضغط نفسي دائم،
يشبه حال من يربط استقراره النفسي بنتيجة مباراة لفريقه المفضّل،
فيغضب ويضطرب مع كل خسارة أو خطأ.
وقد مرّ كاتب هذه السطور بتجربة مشابهة مع متابعة المباريات الرياضية؛
إذ كانت تثير أعصابه وتفسد مزاجه،
حتى قرّر ألّا يشاهد إلا بعد انتهائها،
فعرف مقدار الراحة النفسية التي كان يفتقدها.
فكيف الحال بشباب يقضون الساعات الطوال أمام الشاشات،
يتفاعلون مع معارك وهمية،
يصرخون ويغضبون،
وكأن حياتهم الحقيقية معلّقة بنتيجة رقمية على شاشة؟
إنها هستيريا حقيقية،
تدمّر الأعصاب،
وتفسد المزاج،
وتحوّل المتعة إلى مرض نفسي مستتر.
لم يقف خطر الألعاب الإلكترونية عند حدود التوتر والعصبية،
بل تجاوزه إلى كارثة تربوية وأخلاقية.
فقد أصبحت بعض الألعاب تزرع قيمًا عدوانية،
وتغري الأطفال بالعنف والقتل والاستهتار،
وتغذّي فيهم روح التمرّد والانفصال عن الأسرة والمجتمع.
والأسوأ من ذلك،
ظهور ألعاب خبيثة استغلّت براءة الأطفال وضعف وعي المراهقين،
ودفعت بعضهم إلى إيذاء أنفسهم
أو حتى الانتحار
تحت مسمّيات مثل “التحدي” أو “الجرأة”.
إنها صناعة لا تكتفي بالترفيه،
بل توظّف علم النفس،
والمؤثرات البصرية،
ونظام المكافآت والعقاب،
لإبقاء اللاعب أطول فترة ممكنة داخل اللعبة،
ولو كان الثمن صحته النفسية،
وعلاقاته الأسرية،
ومستقبله العلمي والعملي.
أيها الآباء، أيها المربّون، أيها الشباب:
انتبهوا لهذه الآفة الحديثة التي تقتات على أوقاتكم،
وأعصابكم، وهدوئكم.
ليست كل لعبة بريئة،
وليست كل متعة نافعة.
احذروا أن تتحوّل لحظات اللهو
إلى عبودية إلكترونية
تسرق منكم الطمأنينة والتوازن.
اللعب في ذاته ليس حرامًا ولا مرفوضًا،
لكنه إن تجاوز حدّه
انقلب خطرًا على النفس والعقل.
الاعتدال واجب،
والوعي ضرورة،
والرقابة مسؤولية لا يمكن التنازل عنها،
خصوصًا مع الأطفال والمراهقين.
فالسعادة الحقيقية
لا تُصنع في العوالم الافتراضية،
بل في الواقع:
في الأسرة،
في الصداقة،
في الطموح،
وفي حياة حقيقية تستحق أن تُعاش.
إن الوقت من أعظم النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان،
وقد أقسم الله به فقال:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
قسمٌ بالزمن نفسه،
ليبيّن خطورته وقيمته،
ثم جاء التحذير
بأن الإنسان في خسران دائم
إلا من عمّر وقته بالإيمان والعمل الصالح.
فهل يعقل أن يُهدر هذا العمر الثمين
في معارك افتراضية لا ثمرة فيها ولا نفع؟
وهل نرضى أن نضحّي بصحتنا النفسية،
وعلاقاتنا الأسرية،
ومستقبلنا العلمي والعملي،
لأجل لحظات زائفة على شاشة جامدة؟
تذكّر أيها الشاب، أيتها الفتاة:
الوقت حياة،
والعمر لا يُشترى،
والراحة لا تأتي من لهوٍ مفرط،
بل من توازنٍ واعتدال.
احذروا أن تسلبكم الألعاب الإلكترونية
أعظم ما تملكون:
عقولكم،
وأعصابكم،
وقلوبكم.
فالحرية الحقيقية
ليست في الانغماس داخل شاشة،
بل في السيطرة على النفس،
وحسن اختيار ما نمنحه من وقتنا وحياتنا.