المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الوقت هو أعظم كنز وهبه الله للإنسان، وهو العمود الفقري لكل حياة واعية.
به تُبنى الأعمال، وتتحقق الأهداف، وتُصنع الفروق بين الناجحين والمتخاذلين.
كل لحظة تمرّ تحمل في طيّاتها فرصة، وكل ثانية تمضي لا تعود،
وكل دقيقة تُهدر هي خسارة حقيقية، وإن لم يشعر الإنسان بها إلا بعد فوات الأوان.
تخيّل إنسانًا يعيش أيامه دون وعي بقيمة الزمن؛
يبدّد ساعاته في اللهو والتسويف،
فتنساب أيامه كما تنساب الرمال بين الأصابع.
وبعد سنوات، يستيقظ على واقع ثقيل:
مسؤوليات متراكمة، أهداف لم تتحقق،
وفرص كانت في متناول يده فأصبحت من نصيب غيره.
عندها يدرك أن الزمن كان أعظم رأس مال امتلكه،
لكنه فرّط فيه بلا حساب.
الزمن ليس مجرد إطار نعيش داخله،
بل نعمة إلهية عظيمة، ووديعة سنُسأل عنها.
من أحسن استغلاله وجد البركة في عمره وعمله،
ومن أضاعه مضى عمره بلا أثر ولا ثمرة.
وقد لخّص النبي ﷺ هذه الحقيقة العميقة بقوله:
«اغتنم خمسًا قبل خمس:
شبابك قبل هرمك،
وصحتك قبل سقمك،
وغناك قبل فقرك،
وفراغك قبل شغلك،
وحياتك قبل موتك.»
هذا الحديث يبيّن أن الوقت ليس ساعات وأيامًا فحسب،
بل فرص متتابعة للعمل الصالح، وبناء النفس،
وتحقيق الرسالة التي خُلق الإنسان لأجلها.
الزمن في القرآن يحمل بُعدًا يتجاوز الإدراك البشري.
فالله سبحانه لا تحكمه حدود الزمن كما نراها نحن؛
الماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء.
ولهذا يخبرنا أحيانًا عن المستقبل بصيغة الماضي،
تأكيدًا لوقوعه وحتميته.
نحن نرى الزمن خطًا مستقيمًا يبدأ بالماضي،
ويمر بالحاضر، ويتجه إلى المستقبل،
أما عند الله فهو علمٌ محيط بكل شيء:
بما كان، وبما يكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون.
وهذا الإدراك يزرع في القلب يقينًا عميقًا
بأن كل لحظة نعيشها محسوبة ومقدّرة،
وليست عبثًا ولا صدفة.
طالب يلتزم بساعتين يوميًا للقراءة والمذاكرة.
بعد عام واحد، يجد أن معرفته تراكمت، وفهمه تعمّق،
وأصبح متقدمًا على غيره.
في المقابل، زملاؤه الذين استهانوا بالوقت بقوا في المكان نفسه.
هنا كان الزمن هو الفارق الحقيقي بين التقدّم والتأخر.
موظف يستثمر ساعات عمله بجدّ وانضباط،
ينجز مهامه بإتقان، ويطوّر نفسه باستمرار.
وآخر يبدّد وقته في التسويف والتراخي.
بعد سنوات قليلة يظهر الفرق جليًا:
الأول يتقدّم ويُوثق به،
والثاني يبقى متذمرًا يلوم الظروف.
الحكم هنا كان للوقت وحده.
المؤمن الذي يخصّص جزءًا من يومه للذكر والصلاة وقراءة القرآن
يجد بركة عجيبة في حياته، حتى في شؤونه الدنيوية.
الزمن هنا يتحوّل من مجرد ساعات
إلى رصيد نور، يثمر طمأنينة ونجاحًا في الدنيا والآخرة.
الزمن إذا أُهمل انقلب ندمًا.
كثير من الناس لا يشعرون بقيمته
إلا عندما يُغلق الباب، ويصبح الماضي عبئًا ثقيلًا لا يمكن تعويضه.
فالمال قد يُعوّض، والخسائر المادية قد تُجبر،
أما العمر الذي مضى بلا فائدة فلا يعود أبدًا.
حسن إدارة الوقت يجلب البركة،
ويمنح الإنسان كفاءة أعلى وسعادة أعمق.
من يخطّط ليومه، ويوازن بين العمل والعبادة والراحة والتعلّم،
يعيش حياة متزنة مثمرة.
ومع البركة الإلهية، تتحوّل الساعات القليلة
إلى إنجازات كبيرة، ويصبح الجهد ذا أثر ممتد.
نسأل الله عز وجل أن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا،
وأن يجعلنا من الفائزين بحسن استثمار أعمارهم.
فلنغتنم كل لحظة،
ولنجعل كل ثانية بابًا للتقوى،
وكل دقيقة خطوة نحو عمل نافع للروح والعقل والجسد.
الوقت ليس عدوًا، بل حليف من أحسن التعامل معه.
وهو أعظم ثروة منحها الله للإنسان،
ومعجزة لا تُقدّر بثمن.
فطوبى لمن خرج من هذه الحياة
وقد ملأ أيامه بما يرضي الله،
وينفع الناس،
ويترك أثرًا يشهد له لا عليه.