Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

عدسات مختلفة: كيف ينظر الناس إلى بعضهم… وكيف ينظر المتقي إلى الجميع؟

من أعظم ما يميّز الإنسان المؤمن الواعي أنه لا ينظر إلى الناس بعيون الدنيا وحدها،
بل بعيون الإيمان والعدل والإنسانية.
فالبشر لا يتشابهون في نظرتهم إلى الآخرين؛ إذ يرى كل إنسان العالم بعدسة قلبه ونيّته وفطرته.
ومن اختلاف هذه العدسات تتشكّل المواقف، وتنكشف حقيقة النفوس.


أولًا: كيف ينظر معظم الناس إلى الآخرين؟

كثير من الناس — دون وعيٍ منهم — ينظرون إلى من حولهم بعين المقارنة والمصلحة والمظهر.
فيقيسون قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكون.
يُقدَّر الغني ويُهمَّش الفقير،
ويُحترم صاحب المنصب ويُتجاهل البسيط،
وتُربط الكرامة بالمال والجاه لا بالخلق والعمل.

هذه النظرة الدنيوية ليست إلا انعكاسًا لخلل في الميزان القيمي؛
لأن ميزان الله مختلف تمامًا. قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

فلم يقل: أغناكم، ولا أجملكم، ولا أشرفكم نسبًا.
لكن حين يضعف الوعي الإيماني، تُقاس القيم بميزان السوق لا بميزان الحق.


ثانيًا: كيف ينظر الإنسان المتقي إلى الناس؟

المتقي، الذي امتلأ قلبه خشيةً من الله،
ينظر إلى الناس بعدسة الرحمة والعدل والتواضع.
لا يفرّق بين غني وفقير،
ولا بين قوي وضعيف،
ولا بين عربي وأعجمي؛
لأنه يعلم أن الله هو الذي قسّم الأرزاق، وخلق الاختلاف، وابتلى العباد.

يرى في كل إنسان نفسًا كرّمها الله، ونفخ فيها من روحه، وجعلها موضع اختبار.
فإذا رأى غنيًا قال: هذا رزق وابتلاء.
وإذا رأى فقيرًا قال: هذا صبر وكرامة.
وإذا رأى صاحب سلطان دعا له بالعدل،
وإذا رأى ضعيفًا رقّ قلبه وسعى لمواساته.

عدسة المتقي لا ترى طبقات، بل ترى نفوسًا.
لا تُضخّم الناس ولا تُحقّرهم،
بل تراهم سواءً في أصل الخِلقة، مختلفين في التقوى والعمل.


ثالثًا: كيف ينظر الإنسان السويّ بالفطرة؟

الإنسان السوي، حتى وإن لم يكن متعمقًا في العلم أو الدين،
ينظر إلى الآخرين بميزان الإنسانية.
يحترم الاختلاف، ويأنف الظلم،
ويُدرك أن تنوّع الناس في الألوان والأعراق والثقافات ليس تهديدًا، بل ثراءً وتكاملًا.

يرى في اختلاف الآخر فرصة للفهم والتعلّم، لا خصومة.
وإذا عاش بين شعوب أخرى أو سافر،
لم يشعر بالاستعلاء ولا بالدونية،
بل بفضول إيجابي ورغبة في التواصل.
يقيس الناس بصدقهم ومواقفهم، لا بأرقام حساباتهم ولا بألقابهم.


رابعًا: كيف ينظر المتكبرون والعنصريون إلى الآخرين؟

أما المتكبر والعنصري،
فينظر إلى الناس من علٍ، بعدسة مشوّهة لا ترى إلا ذاته في المركز، والآخرين في الهامش.

يظن أن المال أو النسب أو اللون أو المنصب يمنحه قيمة ذاتية أعلى من غيره،
فيحتقر، ويقسو، ويتعالى.

وهذا المسلك هو مسلك إبليس حين قال:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾

فكل كِبرٍ هو امتداد لذلك الموقف الأول.
المتكبر يقسّم العالم إلى “نحن” و“هم”،
ويغفل أن هذه التقسيمات لا يقرّها دين ولا عقل،
وأن الكبرياء لله وحده.


خامسًا: العدسة التي يريدها الله لنا

يريد الله من عباده أن ينظروا إلى الناس بعدسة العدل والرحمة والاتزان؛
نظرة لا ظلم فيها ولا احتقار ولا استعلاء. قال تعالى:

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾

وقال أيضًا:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

المتقي إذا نظر إلى الناس تذكّر أن الله يراه،
وأنه مسؤول عن قلبه قبل لسانه، وعن نظرته قبل عمله.
فيرى بعين الإنصاف،
ويسمع بأذن الرحمة،
ويحكم بضمير لا تحجبه الأهواء.


الخلاصة

كل إنسان يحمل عدسة يرى بها العالم:

  • الجاهل يرى الناس درجاتٍ مادية.

  • المتكبر يرى نفسه فوق الجميع.

  • الإنسان السوي يرى التنوع جمالًا.

  • المتقي يرى الخلق عبادًا لله، فيعاملهم كما يحب أن يعامله ربّه.

فاختر عدستك؛
فهي التي تحدد مكانك عند الله،
قبل أن تحدد مكانك بين الناس.

Responsive Counter
General Counter
16672
Daily Counter
323