المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
هل لاحظت تلك الفئة من الناس الذين لا يستطيعون إكمال ثلاث جُملٍ بالعربية دون أن يُقحموا بينها كلمة أو اثنتين بالإنجليزية؟
أولئك الذين يقولون بكل ثقة:
«بصراحة الـ idea دي مش practical، لازم نعمل update للـ system!»
يا سلام!
كأن اللسان أصبح جهازًا Hybrid، نصفه عربي والنصف الآخر مستورد من شركة «لسانيات الولايات المتحدة الأمريكية».
نحن لا ننكر — ولن ننكر — أن اللغة الإنجليزية اليوم لغة العلم والتقنية والبحث، وأنها ضرورة واقعية في كثير من المجالات.
كما لا ننكر أن بعض المصطلحات الأجنبية لا مقابل دقيق لها في العربية، أو أن استعمالها في السياق العلمي أحيانًا أصرح وأدق.
لكن المشكلة لا تكمن هنا.
المشكلة تبدأ حين يتحوّل الكلام العربي إلى ساحة مصارعة لغوية بين الحروف العربية واللاتينية،
وحين تُستبدل حتى أدوات الربط وأسماء الإشارة بمكافئات إنجليزية،
وكأن المتحدث يعيش صراع هوية لا صراع مصطلحات.
هنا لا بد أن تُقال الحقيقة بوضوح:
كفاكم ميوعة لغوية!
الميوعة اللغوية هي تلك الحالة التي يُقحم فيها المتكلم كلمات أجنبية بلا حاجة حقيقية،
لا لضرورة علمية، ولا لدقة اصطلاحية،
بل لاستعراضٍ أجوف يوهم به نفسه والآخرين بسعة الثقافة وعمق المعرفة.
كأن لسان حاله يقول:
«انظروا إليّ! لقد درست في الخارج، حتى التوى لساني من كثرة ما نطقت الإنجليزية!»
وكأن اللغة العربية — لغة القرآن، ولغة البلاغة والدقة والبيان —
قد ضاقت به، فلم تعد قادرة على حمل أفكاره،
إلا إذا استعان ببضع كلمات إنجليزية متناثرة.
أيها المائع لغويًا،
اعلم أن لسانك ليس لوحة مفاتيح تخلط فيها اللغات كيفما اتفق.
ما تفعله ليس دليل ثقافة، بل غالبًا:
إرضاء لغُرور داخلي،
ومحاولة لتغطية ضعف لغوي،
وتشويه لهويتك قبل أن يكون تطويرًا لها.
تظن أنك تبدو مثقفًا،
بينما في الحقيقة تبدو ممسوخ الهوية:
لا أنت عربي اللسان،
ولا إنجليزي البيان.
والأسوأ من ذلك، أنك قد تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها الحديث بالعربية الفصحى،
ولا التعبير بالإنجليزية الصحيحة،
فتخرج بلغة هجينة لا يفهمها عربي، ولا يعترف بها إنجليزي.
الميزان واضح وبسيط:
تكلّم بالعربية ما استطعت.
استخدم المصطلح الأجنبي عند الحاجة الحقيقية فقط.
لا تجعل لغتك تتمايل بين لسانين كراقصٍ فقد توازنه.
فاللغة ليست مجرد أداة تواصل،
بل هي وعاء الفكر، ومرآة الهوية، وجسر الانتماء.
من فقد لغته، فقد جزءًا من هويته.
ومن فقد هويته، صار يتكلم كثيرًا… ولا يقول شيئًا.
فاحترم لغتك، تحترمك أفكارك،
ويحترمك من يسمعك.