المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
مبروك يا دكتور! لقد وصلت أخيرًا إلى القمّة…
لا مزيد من السهر، لا مزيد من البحث، لا حاجة إلى التفكير أو التساؤل أو القراءة!
لقد نادوك بـ «يا دكتور» — وهذه الكلمة وحدها، في نظر كثيرين، كفيلة بأن تُسكت العقل وتُطفئ جذوة الشغف التي كانت تشتعل وأنت تكتب أطروحتك الأخيرة.
انتهى العلم هنا.
ضع النقطة، وابتسم في الصورة الرسمية التي ستُعلَّق على جدار مكتبك الأنيق، بجانب شهادتك المؤطَّرة بعناية.
من الآن فصاعدًا، مهمتك — كما يُراد لها — بسيطة:
أعطِ ما درست، لا أكثر.
كرّر ما كتبته في الأطروحة عشرين مرة أمام الطلبة، غيّر الصياغة قليلًا، وقدّمه في مؤتمر أو اثنين.
واكتب — إن كان فيك نشاط زائد — كتابًا جامعيًا رمادي الغلاف، مليئًا بالتعاريف والنظريات التي يعرفها الجميع، ولا يريد أحد قراءتها.
وهكذا… تصبح دكتورًا كامل الأوصاف — اجتماعيًا على الأقل.
سيصافحك الناس بإعجاب، وسيناديك الأقارب في كل مناسبة بـ «الدكتور فلان»، وستحصل على ترقية كل بضع سنوات، إلى أن تتقاعد — مهيبًا، متعبًا من إنجازاتٍ لم تُنجز، ومتخمًا بشهاداتٍ لم تُثمر.
هل تعلم أن الدرجة العلمية ليست وسامًا، بل أمانة؟
وأن اللقب لا يُمنح لتُزخرف به بطاقاتك، بل لتكون به مصدر إشعاع فكري وعلمي؟
المجتمع لا ينتظر منك أن تُكرّر، بل أن تُضيف.
والشباب الذين يجلسون أمامك في القاعة لا يحتاجون إلى سيلٍ من التعريفات الجامدة، بل إلى:
عقولٍ تُلهمهم،
نماذجَ تُريهم أن العلم لا يتوقف عند الرسالة،
وأستاذٍ يُثبت لهم أن البحث الحقيقي يبدأ بعد الشهادة، لا قبلها.
هل تعلم أن PhD لا تعني Diploma of Philosopher؟
بل تعني — Doctor of Philosophy — أي باحثًا عن الحكمة، متعطشًا للمعرفة، سائرًا في طريقٍ لا نهاية له.
فهل أنت كذلك؟
أم أن اللقب تحوّل إلى غطاءٍ أنيق يُخفي تحته كسلًا فكريًا، مُبرَّرًا بـ «الرتبة الأكاديمية»؟
العلم لا يتوقّف عند الشهادة، بل يبدأ منها.
والدكتور الحقيقي ليس من يُنادى بها، بل من يستحقها كل يوم:
بما يقدّمه،
وبما يغيّره،
وبما يزرعه في العقول من فكرٍ ووعي.
فكن — يا دكتور — من أولئك القلائل الذين إذا مرّوا تركوا أثرًا.
ولا تكن ممن انتهت مسيرتهم عند لحظة التصفيق، حين سُلِّمت لهم الشهادة، ثم دفنوا بعدها شغفهم الأكاديمي تحت جدارٍ من الألقاب.
الدكتوراه ليست نهاية الطريق…
بل بداية الاختبار الحقيقي.