المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في مختلف الدول العربية، يتم توظيف أعداد كبيرة من المواطنين في القطاعات الحكومية المتنوعة، وفقًا لحاجة هذه القطاعات وطبيعة الخدمات التي تُقدَّم للمجتمع. ولا شك أن هذه الوظائف تُعد من ركائز استقرار الدول وخدمة المواطنين. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الوظيفة الحكومية، بل في سوء الفهم الشائع لمعناها ودورها، وهو سوء فهم ينعكس سلبًا على أداء المؤسسات وجودة الخدمات العامة.
للأسف، ينظر كثير من الموظفين إلى الوظيفة الحكومية على أنها مصدر أمان وظيفي فقط، أو مكافأة دائمة من الدولة، فيغيب عن أذهانهم أن الهدف الأساسي من هذه الوظيفة هو خدمة المجتمع والقيام بواجب عام، لا مجرد الحصول على راتب آخر الشهر. هذه النظرة تُحوّل الوظيفة من رسالة إلى محطة استراحة، ويقتصر الأداء عندها على الحد الأدنى، متناسين الأمانة التي حُمِّلوها أمام الله قبل أي جهة أخرى.
فالراتب الذي يتقاضاه الموظف ليس حقًا مجردًا، بل أمانة مقابل عمل. وكل مال يُؤخذ دون أداء حقيقي أو بتقصير متعمد هو مال يُسأل عنه صاحبه يوم القيامة. المطلوب ليس المستحيل، بل أداء العمل بإتقان، أو على الأقل القيام بالواجب كما هو مطلوب، بجدية واحترام للوقت والمسؤولية.
من المشاهد المؤلمة التي تتكرر في الواقع الوظيفي أن بعض الموظفين، حين يكونون على بند الأجور أو العقود المؤقتة، يُظهرون اجتهادًا عاليًا وانضباطًا ملحوظًا وبذلًا يفوق المطلوب. لكن ما إن يتم تثبيتهم وترسيمهم، حتى يبدأ التراخي عند بعضهم: إهمال، تغيب، ضعف إنتاج، وكأن الأمان الوظيفي أزال الإحساس بالمسؤولية، وحوّل العمل إلى روتين بلا روح.
هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في القدرة ولا في الكفاءة، بل في الضمير المهني وفهم معنى الوظيفة العامة.
تتفاقم المشكلة أكثر مع انتشار المجاملات في التقييمات السنوية. فالتقييم الذي وُجد ليكون أداة لقياس الأداء وتحفيز المجتهدين، أصبح في بعض المؤسسات وسيلة لتمرير الترقيات بلا استحقاق. موظف لا يتجاوز أداؤه الحقيقي نصف المطلوب، يُمنح تقييمًا يفوق 90% فقط لتسهيل ترقيته.
هذه الممارسات لا تظلم المؤسسة فحسب، بل:
تقتل روح العمل الجاد،
تُحبط الموظف المجتهد،
تُكرّس الرداءة،
وتُربك مسار التطوير الحقيقي.
إن المؤسسات الحكومية ليست أماكن لتأمين الرواتب فقط، بل هي مرافق تخدم مجتمعًا كاملًا. كل تأخير في معاملة، وكل إهمال في خدمة، وكل تقصير في أداء، ينعكس مباشرة على حياة الناس وحقوقهم.
فاتقوا الله — أيها الموظفون — في أعمالكم، وأحسنوا أداء ما وُكِّل إليكم. فهناك يوم عظيم ستُعرض فيه الأعمال، ويُسأل الإنسان عن كل أمانة أهملها، وكل حق قصّر فيه، وكل وقت ضيّعه دون وجه حق.
كونوا قدوة في الالتزام والأمانة، واجعلوا وظائفكم بابًا للأجر قبل أن تكون مصدر دخل. فالموظف الحكومي الحقيقي لا يحتمي خلف الأمان الوظيفي، بل يستشعر عظمة الواجب، ويؤدي عمله بإخلاص، لأنه يعلم أن ما بينه وبين الله أعظم من أي نظام أو تقييم.
فالوظيفة الحكومية ليست امتيازًا…
بل مسؤولية، وأمانة، واختبار.