Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

الطاعة… صفة حكمة وإيمان بتنظيم الحياة

ارتبطت كلمة الطاعة في أذهان بعض الناس — للأسف — بمعاني الضعف والخضوع، وكأن من يطيع إنسانٌ فاقد للكرامة أو ناقص الرجولة.
والحقيقة أن الطاعة ليست ذلًا، بل نظام حياة. فبدونها لا يُقام بيت، ولا تُدار دولة، ولا يستقر عمل، ولا ينضبط مجتمع.


الطاعة درجات ومقامات

الطاعة ليست مطلقة في كل الاتجاهات، بل هي مرتبة بحسب المقامات، ولكل مقام طاعته وحدوده:

  • طاعة الله تعالى
    وهي أعظم الطاعات وأصلها، لأنه الخالق والمدبّر، ومنها تنبثق كل طاعة أخرى. ومن عصى ربّه فلا طاعة له على أحد، لأنه فقد مرجعية العدل والرحمة.

  • طاعة الوالدين
    وتأتي بعد طاعة الله مباشرة، فقد جعلهما الله سبب وجودك، وأمرك ببرّهما والإحسان إليهما، ولو بلغا الكِبر أو قصّرا في حقك.

  • طاعة وليّ الأمر والحاكم في غير معصية
    لأن الحاكم ينظّم حياة الناس، ويحفظ الأمن، ويقيم العدل. ولو فُقدت الطاعة لضاع النظام وتحول المجتمع إلى فوضى.

  • طاعة المسؤول أو المدير في العمل
    ليست تملّقًا ولا خضوعًا، بل من لوازم الانضباط المهني، وشرط من شروط الإنتاج والنجاح الجماعي.

  • طاعة من ينظّم الأمن أو النظام العام
    كشرطي أو مشرف أو منسق، ما دام أمره في نطاق النظام والمصلحة العامة، فهي لحماية الجميع لا لقهر أحد.

  • طاعة الزوجة لزوجها
    ليست انتقاصًا من قدرها، بل اعتراف بقيادته للسفينة التي اسمها الأسرة، على أن يكون قائدًا بالرحمة والعقل، لا بالجبر والتسلط.


الطاعة ليست ضعفًا… بل وعي وتنظيم

الذي يطيع في موضع الطاعة أقوى من الذي يتمرد بجهالة.
فالطاعة تقتضي عقلًا يقدّر المصلحة ويعرف موقعه وحدوده، أما التمرّد فغالبًا ما يصدر عن جهل أو كبرياء أو نزعة لفت الأنظار.

الطاعة ليست إلغاءً لشخصك، بل ضبطٌ لسلوكك داخل منظومة أكبر منك: أسرة، مؤسسة، أو دولة.
ومن لم يتعلّم الطاعة لا يستطيع أن يقود، لأن القيادة تبدأ من الانضباط.


التمرّد ليس بطولة

من يرفع أنفه استكبارًا على البشر أو على ربّ البشر، يعيش متعبًا ويُتعب من حوله.
تمرده لا يجعله حرًا، بل يجعله أسير صراعه مع النظام والحياة.

من يرفض الطاعة لا يملك روح الجماعة،
ومن لا يملك روح الجماعة لا يصنع حضارة.


في ميدان العمل… الطاعة التزام مهني

إذا وجدت في نفسك عجزًا عن الالتزام بقرارات الإدارة أو قوانين المؤسسة، أو شعرت بضيق دائم من التوجيهات والتعليمات، فالأجدر أن تسلك طريق العمل الحر.

فالوظيفة ليست ساحة لصراع الأنا، بل ساحة التزام وتعاون.
من لا يستطيع أن يطيع، لا يستطيع أن يعمل ضمن فريق،
ومن لا يعمل ضمن فريق، لا يستطيع أن يُنجز مشروعًا ناجحًا.


الخاتمة

الطاعة ليست إذلالًا ولا إلغاءً، بل ميزان التوازن بين الحرية والنظام، وبين الفرد والمجتمع.
الطاعة لا تُنقص من الرجولة، بل تُكملها، لأنها تعني احترامك للنظام، واعترافك بالمرجعية، والتزامك بالمصلحة العامة.

فلتكن طاعتك عن وعي، لا عن ضعف،
ولتكن رجولتك في انضباطك، لا في عنادك.

فالرجال الحقيقيون هم الذين يعرفون متى يطيعون…
ومتى يُصلحون بالحكمة والرفق، لا بالتمرد والكِبر.

Responsive Counter
General Counter
16694
Daily Counter
345