المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب نورًا وهدى وشفاءً لما في الصدور، وجعل فيه تبيانًا لكل شيء ورحمةً لقوم يؤمنون، والصلاة والسلام على من كان خُلُقه القرآن، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نقرأ كتاب الله في صلواتنا فرضًا وتطوعًا، وتتردد الآيات على ألسنتنا صباح مساء، لكن القلوب كثيرًا ما تمرّ عليها مرور الغافلين. نسمع آياتٍ تنذر، وأخرى تبشّر، وثالثة تدعونا إلى التفكر، ثم نمضي دون أن نقف ونسأل: ماذا يريد الله منا؟
جعل الله تلاوة كتابه عبادة عظيمة، ووعد على كل حرفٍ منها حسناتٍ مضاعفة. وهذا الفضل العظيم لمجرد القراءة، فكيف بمن قرأ وتدبّر وعمل بما قرأ؟ إنه باب من أبواب الجنة مفتوح لمن شاء أن يسلكه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾
فاطر: 29–30
القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب حياة. تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بالمطر. يبعث في النفس روح الإيمان، ويعيد ترتيب الأولويات، لتكون الآخرة هدفًا والدنيا وسيلة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
الأنفال: 24
فيه شفاء من الغفلة، ونور يهدي في ظلمات الشك والضياع.
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
المائدة: 15–16
يرسّخ القرآن في النفس أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية، وأن الدنيا — مهما زُيّنت — دار فناء وابتلاء.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
العنكبوت: 64
﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾
النحل: 96
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾
الحديد: 20
القرآن كله هداية إلى الجنة، وتحذير من النار، ورسمٌ واضح للطريق المستقيم:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
الأنعام: 153
كيف لا يكون القرآن معجزًا، وهو كلام من خلق الجنة والنار، والزمان والمكان، والإنس والجان؟
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
الملك: 2
اقرأ القرآن بقلبك قبل لسانك، وتدبّره بعقلك قبل سمعك، واعمل به في جوارحك قبل أن تُسأل عنه يوم القيامة.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
محمد: 24
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
ق: 37
الهداية لا تُنال بالمعلومة وحدها، بل بقلبٍ حيّ، وسمعٍ واعٍ، وحضورٍ صادق. فكم من سامعٍ لا ينتفع، لأنه فقد أحد هذه الأركان.
شروط الانتفاع:
قلبٌ حيّ ينبض بالإيمان.
سمعٌ مُنصت متواضع للحق.
حضورٌ وشهود، لا غفلة ولا لهو.
الآية دعوة صريحة إلى مراجعة النفس، وإحياء القلوب من الغفلة، والإصغاء لآيات الله بوعي الحضور لا بعادة التلاوة. فليس كل من قرأ تذكّر، ولا كل من سمع انتفع.
في عالمٍ تملؤه الضوضاء والانشغال، تذكّر أن الذكرى الحقة لا تصل إلى القلب إلا إذا صمت الضجيج الداخلي، وأُلقي السمع وأنت شهيد.
فإن وجدت في نفسك خشوعًا عند سماع آيات الله، فاحمد الله أن لك قلبًا حيًّا؛ فهي من أعظم العطايا بعد الإيمان.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك.