Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

حين يتحول الذكاء الاصطناعي إلى غباء بشري اختياري

نعيش اليوم مفارقة عجيبة لم يشهدها التاريخ من قبل:
جيل يملك كل وسائل المعرفة، وكل أدوات التعلم، وكل فرص النجاح، لكنه يرفض أن يبذل أي جهد حقيقي. جيل يعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعلومة تحديًا، بل أصبحت المعلومة تركض خلفه، وهو مع ذلك يهرب منها طوعًا.

لم تعد المشكلة في نقص المصادر، ولا في غياب الفرص، ولا في قلة الأدوات، بل في غياب الإرادة. فبدل أن تُستثمر التقنية لبناء فكرٍ متين، ومعرفةٍ عميقة، ومهارةٍ نافعة، استُهلكت في الضحك العابر، والتسلية الفارغة، وتضييع الوقت في فراغٍ متكرر لا يترك أثرًا ولا يصنع إنسانًا.


وفرة الأدوات وفقر الهمم

هذا الجيل يقضي ساعات طويلة أمام المقاطع القصيرة، لكنه لا يحتمل قراءة صفحة واحدة. يمرّ على آلاف الأفكار، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة ليفهمها أو يبني عليها.

لا يشاهد إلا ما يضحكه، أو يثير غرائزه، أو يلهيه عن واقعه، ثم يتساءل: لماذا لا يتقدم؟ ولماذا لا ينجح؟

إنه يبحث عن الراحة في كل شيء، حتى في التعلم.
يريد أن يصبح خبيرًا في خمس دقائق، ومليونيرًا في أسبوع، ومشهورًا بلا سبب، ومؤثرًا بلا مضمون.
يريد النتيجة بلا مقدمات، والمكانة بلا استحقاق، والاحترام بلا عطاء.


حين تنقلب النعمة إلى نقمة

تحولت نعمة التقنية، في كثير من الحالات، إلى نقمة صامتة.
لا لأنها سيئة في ذاتها، بل لأن الإنسان أساء استخدامها.

الأداة التي صُممت لتختصر الوقت في التعلم، اختُزلت إلى وسيلة لقتل الوقت.
والوسيلة التي كان يمكن أن تفتح العقول، أصبحت وسيلة لتخديرها.

لم يعد التفكير قيمة، بل عبئًا.
ولم يعد الجهد فضيلة، بل خيارًا مؤجلًا.
وأصبح العمل الجاد سلوكًا غريبًا يُنظر إليه كأنه تشدد أو تعقيد للحياة.


جيل التواكل لا جيل التوكل

نحن أمام جيل يريد كل شيء جاهزًا:

  • الوجبات جاهزة

  • الدروس مختصرة

  • الأفكار معلبة

  • القرارات تُتخذ عنه

جيل لا يريد أن يتحرك، ولا أن يبحث، ولا أن يصبر.
يريد أن تأتيه الحياة إلى مكانه، ويغضب إن طُلب منه أن يخطو خطوة واحدة خارج منطقة الراحة.

ومع ذلك، لا يتوقف عن الشكوى من الإحباط، وقلة الفرص، و"ظلم الظروف".


مقارنة لا بد منها

الأجيال السابقة لم تملك الإنترنت، ولا الهواتف الذكية، ولا الذكاء الاصطناعي، لكنها امتلكت شيئًا أعظم: الإرادة.

كانوا يقرؤون لأنهم يريدون الفهم،
ويبحثون لأنهم يريدون البناء،
ويعملون لأنهم يدركون أن الحياة لا تعطي بلا مقابل.

أما اليوم، فكثيرون تحولوا إلى متفرجين على الحياة لا مشاركين فيها.
يراقبون نجاح الآخرين، ويستهلكون إنجازاتهم، دون أن يحاولوا تقليد الجهد الذي سبق النتيجة.


الأقلية الواعية

ومع ذلك، لا يجوز التعميم.
فهناك قلة واعية، مبدعة، تستغل التقنية بذكاء.
تتعلم، وتنتج، وتبني مستقبلها بصمت.

تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة للتسريع، لا كبديل عن التفكير.
هذه الفئة موجودة، لكنها تظل الأقلية وسط ضجيجٍ كبير من العبث اليومي.


التقنية لم تُفسد أحدًا

الحقيقة المؤلمة أن التقنية لم تُفسد الجيل، بل كشفت حقيقته.

كشفت:

  • من يعمل ومن يتواكل

  • من يقرأ ومن يستهلك

  • من يسعى ومن يقتل وقته

أعطت الجميع الأدوات نفسها، لكن الفارق الحقيقي ظهر في العقول والهمم، لا في الأجهزة والتطبيقات.


الخلاصة

نحن أمام جيل يملك أعظم وسيلة للعلم في تاريخ البشرية، لكنه اختار — بإرادته — أن يكون من أقل الأجيال معرفة.

جيل يعيش عصر الذكاء الاصطناعي، لكنه استسلم للغباء الاختياري.

والفرق بين الاثنين ليس في التقنية،
بل في الإنسان.

Responsive Counter
General Counter
16719
Daily Counter
370