المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
إن طلب العلم في زمننا يختلف في أدواته ووسائله، لكنه لا يختلف في جوهره؛
فهو طريق الجدّ والمثابرة والتواضع، لا طريق الكسل ولا ساحة التفاخر.
كل إنجاز علمي، وكل معرفة، وكل مشروع أو بحث ناجح، إنما هو أولًا بتوفيق الله وتسخيره للأسباب، ثم ثمرة اجتهادٍ صادقٍ ومثابرةٍ طويلة.
فالعلم عبادة بالنية والعمل، ومن ظنّ أن هذا الطريق يُسلك بالراحة أو الغرور، فقد أساء فهم حقيقته، وضيّع ثمرته قبل أن يبلغها.
طالب العلم اليوم، سواء في الجامعة، أو في مسارات التعلم الذاتي، أو في البحث العلمي، يحتاج إلى روح ثابتة تقوم على:
التواضع في السؤال،
الصبر على التعلم،
المثابرة في البحث،
وعدم الخجل من الاعتراف بقلة المعرفة.
فلا ينبغي له أن يتردد في البحث عن المعلّم الأعلم، أو المصدر الأوثق.
وإن صُدّ مرة، فليعاود المحاولة، وإن لم ينجح في طريق، فليبحث عن طريق آخر.
فالفهم الحقيقي لا يولد من المحاولة الأولى، بل من الصبر والتكرار وتعدد السبل.
في تاريخ أئمة الأمة قدوة خالدة لمن أراد أن يفهم معنى طلب العلم حقًّا.
منذ صغره، لم يكتفِ الإمام الشافعي بما تعلمه في مكة، بل رحل إلى المدينة ليلتقي بالإمام مالك بن أنس، وحفظ الموطأ عن ظهر قلب.
ثم ارتحل بعد ذلك إلى العراق ومصر، ليتعرّف على علم أهل الرأي، رغم مشقة السفر وقلة ذات اليد.
لم يضع حدودًا لطموحه العلمي، ولم يرضَ بالسطحيات، بل كان يبحث عن العمق والفهم والتحقيق، حتى صار علمه مدرسة قائمة بذاتها.
أما الإمام أحمد بن حنبل، فقد ضرب مثالًا أعظم في الصبر والمثابرة؛
إذ سافر إلى اليمن ليستمع إلى حديث واحد من عبد الرزاق الصنعاني.
تحمّل مشاق السفر، وسلك الطرق الوعرة، ولم يكلّ أو يتراجع، حتى جمع علمه ودوّنه، فصار مرجعًا للأمة عبر القرون.
وهكذا يمكن لطالب العلم اليوم أن يقتدي بهم، ولو اختلف الزمان، وذلك بـ:
الانتقال إلى جامعات أو معاهد متخصصة،
حضور المؤتمرات العلمية،
البحث عن أساتذة مميزين،
وطلب المعرفة من كل مصدر موثوق.
قد لا يكون الطريق سهلًا، وقد يطول، لكنه الطريق الوحيد لتكوين عالمٍ حقيقي ينفع مجتمعه وأمته.
العلم الحق يقترن بالتواضع.
كلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد خشوعًا وإدراكًا لسعة ما يجهل.
وقد شبّه الحكماء العالم الصادق بالسنبلة الممتلئة بالحب؛ تنحني من ثقل ما تحمل،
بينما الفارغة تنتصب لأنها بلا وزن.
أما من يحمل قليلًا من العلم ويتزين به غرورًا، فيتصرف بتعالٍ، ويظن نفسه فوق الناس،
فهو في الحقيقة عبء على نفسه ومجتمعه، وينتج أجيالًا تهتم بالمظاهر دون الجوهر، فيضعف البناء العلمي للأمة تدريجيًا.
طريق العلم لا يسلكه الكسالى، ولا يثمر مع المتكبرين.
إنما هو طريق من امتلكوا:
الصدق في الطلب،
والإخلاص في النية،
والتواضع في السؤال،
والصبر على المشقة.
العلم يحتاج إلى بذل، وإلى البحث عن المصادر الحقيقية والمعلمين الصادقين،
حتى لو تطلب ذلك سفرًا، أو جهدًا إضافيًا، أو مواجهة صعوبات.
أما من طلب العلم للظهور أو للمكانة الزائفة، فلن يحصد إلا الخيبة،
وسيصبح عبئًا على نفسه ومجتمعه.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
فلتكن رحلتك في طلب العلم رحلة إخلاص، وتواضع، ومثابرة،
ليستعيد العلم مكانته الحقيقية في حياتك، وفي حياة أمتك.