المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في التاريخ الحديث، كانت اتفاقية سايكس بيكو مثالًا صارخًا على كيفية صناعة الانقسامات بين الشعوب والأمم عمدًا من قبل المستعمرين، خصوصًا عند منح الاستقلال. كان الهدف إشعال النزاعات بين الأطراف المختلفة لتسهيل السيطرة على الموارد، فكانت النتيجة صراعات طويلة الأمد وتشتتًا في المجتمعات.
وفي مشهدٍ موازٍ ولكن على نطاقٍ أصغر، نشهد اليوم ما يمكن تسميته بـ سايكس بيكو العائلة العربية؛ حيث يغيب الوضوح في الحقوق داخل كثير من العائلات، خصوصًا في مسائل الميراث وتقسيم الممتلكات، فتتحوّل البيوت الواحدة إلى ساحات نزاع بين الإخوة، وقد تمتد آثارها إلى الأجيال التالية.
يظنّ كثير من الآباء والأمهات أن محبة الأبناء ووحدتهم كفيلة بضمان استمرار المودة بعد وفاتهم، فيتركون الأمور مبهمة بلا توثيق ولا وصية واضحة. غير أن الواقع يثبت أن هذه النية الحسنة، بعد رحيلهم، قد تنقلب إلى خلافات مريرة تصل أحيانًا إلى القطيعة والعداوة، وتُورَّث كما تُورَّث الممتلكات.
عاصرتُ مشكلة مؤلمة تخص أقرباء لي، تلخّص جوهر هذه الإشكالية:
أحد الأطراف يطالب بحقه الشرعي في الميراث كما جاء في كتاب الله، وهو محق في ذلك.
الطرف الآخر يقول: «75% من هذا العقار هو من مالي وتعب يدي، رغم أنه مسجّل باسم والدي»، ويطالب بالاعتراف بجهده على الأقل في جزء مما يملكه، وهو سطح المنزل.
وصلت القضية إلى المحاكم، وبقيت منظورة أكثر من خمس عشرة سنة دون حسم؛ لأن الشرع والقانون ينصّان على أن الملكية المسجّلة باسم الأب تدخل في الميراث، بينما يتمسّك الطرف الآخر بجهده وتعبه الذي لم يُوثّق بعقد أو اتفاق مكتوب.
إذا أوصى أحد الوالدين بالتسامح، أو بمنح جزء من ميراثه لأحد الأبناء، فإن الخلق والدين والإحسان يفرضون على الأبناء تنفيذ هذه الوصية ما دامت في حدود الشرع. أما إذا لم تُنفّذ، فإن العدل الشرعي والقانوني يبقى ملزمًا، لكن البرّ والإحسان يضيعان.
ولهذا يجب الموازنة بين أمرين:
العدل: الالتزام بالحكم الشرعي والقانوني.
البرّ والإحسان: تنفيذ وصايا الوالدين، أو التسامح بما يرضي الله ويحفظ المودة.
الحكم واضح: ما بقي باسم الأب أو الأم وقت الوفاة فهو ميراث يُقسّم كما أمر الله تعالى.
من البرّ والرحم والعدل الاعتراف بفضل من ساهم وتعب، سواء ماديًا أو جسديًا، في إنشاء الممتلكات، وتنفيذ وصايا الوالدين بالإحسان ما أمكن.
وفي مثل هذه الحالات يكون:
الأخلاق أولًا: فلا يجوز أن يطغى المال على صلة الدم.
الاعتراف بالفضل ثانيًا: شكر من قدّم وساهم واجب، حتى لو لم تُوثّق مساهمته رسميًا.
الرحم قبل كل شيء: فلا قيمة لعقار أو ميراث إذا تحوّل إلى قطيعة وعداوة.
العدل مهم، لكنه وحده لا يكفي لبقاء العلاقات الإنسانية متماسكة. وقد وصف الله المؤمنين بقوله:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[الفتح: 29]
فالمؤمن الحق يقدّم التراحم وصلة الرحم، ويعلم أن التسامح والاعتراف بفضل الآخرين قد يكون أحيانًا أرفع شأنًا من الوقوف عند حرفية القانون أو تفاصيل الفريضة، إذا كان في ذلك حفظ للمودة وصون للرحم.
لا يكفي العلم الشفهي؛ بل يجب كتابة العقود وتوثيقها رسميًا. والوصايا يجب أن تكون شرعية، موثقة، ولا تتجاوز الثلث إلا برضا الورثة.
ما كان باسم الأب أو الأم وقت الوفاة يدخل في الميراث.
ما كان ناتجًا عن جهد الأبناء أو شراكتهم يجب فصله وتوضيحه قبل الوفاة.
من الحكمة أن يجلس الوالدان مع عالم دين ومحامٍ قبل الوفاة لتوضيح الحقوق، تفاديًا لظلم أو نزاعات يصعب حلّها لاحقًا.
غرس مفهوم أن المال وسيلة لا غاية.
تذكير الأبناء بأن صلة الرحم فوق أي مال أو ميراث.
تعليمهم أن التنازل أحيانًا خير من النزاع، وأن البركة في الرضا لا في كثرة المال.
كما فرّقت سايكس بيكو بين الشعوب عمدًا، قد يفرّق غياب الوضوح في الحقوق بين الإخوة عن طريق الغفلة أو حسن النية.
الحل يبدأ من الوالدين: الوضوح + التوثيق + الالتزام بالشرع.
ويستمر بعد الوفاة من الأبناء: التسامح + الاعتراف بالفضل + تنفيذ الوصايا بالإحسان + الحفاظ على صلة الرحم.
بهذا فقط نحفظ المودة، ونتجنّب أن تتحوّل العائلة الواحدة إلى ساحة نزاع داخلي أشد قسوة من أي مؤامرة خارجية.