المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
يظنّ كثير من الناس أن الجمال هو ما تراه العين من حسن الملامح وتناسق الخِلقة، غير أن التجربة الإنسانية تثبت لنا يومًا بعد يوم أن الجمال الظاهر، مهما بلغ به الإتقان، لا يساوي شيئًا إذا لم يكن وراءه جمالٌ آخر أعمق وأبقى: جمال الأخلاق.
فالإنسان قد يُبهرنا بوجهٍ مشرق، أو هيئةٍ متناسقة، أو لمسةٍ من جمالٍ ربّاني ظاهر، فنميل إليه ونسعى للتقرّب منه. لكن ما إن يبدأ التعامل الحقيقي حتى تنكشف البواطن؛ فإذا كان سيّئ الخلق، كاذبًا، غليظ القلب، أو أنانيًا، فإن تلك الصورة الجميلة تنهار سريعًا في أعيننا. وما كنّا نراه حسنًا يصبح منفّرًا، بل قد يبعث مجرّد حضوره في النفس ضيقًا واشمئزازًا، لأن الجمال الظاهري تلطّخ بقبح الأخلاق.
وعلى النقيض تمامًا، قد نصادف رجلًا أو امرأة لا حظّ لهما من جمال الخِلقة، فلا يلفتان النظر في المظهر. لكن حين نخالطهما، نجد لطف المعشر، وكرم العطاء، وصدق القول، ونقاء السريرة، ورحمةً تفيض على من حولهما. عندها ينعكس هذا الصفاء الداخلي على صورتهما في أعيننا، فنراهما من أجمل الناس، ونأنس بلقائهما، ونفرح برؤيتهما؛ لأن الجمال الحقيقي لم يكن في قسمات الوجه، بل في نقاء القلب وحُسن الخُلُق.
الجمال الظاهري قد يخدع البصر لحظة، أمّا جمال الأخلاق فهو الذي يلامس القلب ويستقر في الذاكرة والوجدان. وهو الجمال الذي لا يزول بمرور السنين، ولا يتأثر بتغيّر الملامح، بل يزداد إشراقًا كلما طالت المعاشرة وازدادت التجربة.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا.»
فالخُلُق الحسن ليس ترفًا اجتماعيًا ولا زينة إضافية، بل هو قِوام الإنسانية وروحها، وهو الميزان الذي يرفع قيمة الإنسان أو يُنقصها، مهما بلغ من جمالٍ أو مالٍ أو مكانة.
الجمال الحقيقي لا يُشترى بمستحضرات، ولا يُمنح بملامح، إنما هو ثمرة روحٍ طيبة، وقلبٍ نقي، ولسانٍ صادق، ويدٍ كريمة.
فكن جميلًا بأخلاقك، تكن أجمل في عيون الناس من كل صورةٍ تُرسم، أو مظهرٍ يُشاد به.