المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
أصعب ما يمرّ به الإنسان أن يعيش سنوات عمره يعطي بلا حدود؛ يربّي أبناءه، ويتعب عليهم، وينفق ماله وجهده وسنين عمره، ثم يكتشف بعد كِبرهم أنهم يتنكّرون له أو يقلّلون من قيمته، كأنهم يخشون أن يُنسب نجاحهم إليه أو أن يشاركهم طريقهم.
وهذا مؤلم؛ لأنه لا يوجد حبّ أعظم من حبّ الأب لأولاده، ولا جهد أعظم من جهد التربية والصرف وتعب السنين.
وفي المقابل، قد يواجه الإنسان موقفًا أشد قسوة مع إخوة الدم؛ يقف معهم في الأزمات، ويمدّ يده بالعون، ويشاركهم مصالح وأملاكًا مشتركة، ثم يفاجأ أنهم لا يرون إلا حقوقهم، وينكرون كل ما قُدّم لهم عبر السنين، وكأنك غريب لا تربطك بهم رابطة دم ولا عشرة.
وهنا يتضح أن العاطفة إذا لم تُضبط تحوّلت إلى نزيف داخلي.
الاعتراف بالحدود: الأب يعطي ويوجّه، لكنه لا يملك حياة أولاده بعد أن يكبروا. مهمتك أن تزرع، لا أن تُحاسِب نفسك على حصادٍ لم يعد بيدك.
حبّ بلا إذلال: أحبّ أبناءك وكن سندًا لهم، لكن لا تجعلهم يشعرون أن وجودك مشروط بخدمتهم لك أو بردّ الجميل.
الاستقلال العاطفي: لا تنتظر منهم أن يملؤوا فراغك الداخلي. ابنِ حياتك الخاصة: نشاطك، وقتك، وعلاقاتك التي لا تعتمد عليهم وحدهم.
التوجيه لا السيطرة: توازن الأبوة في الكِبر أن تكون مستشارًا يُصغَون إليه، لا متحكّمًا ينفّرهم.
احترام الذات: إذا حاول الأبناء إشعارك بأنك عبء أو عار، فضع الحد فورًا. لهم حياتهم، ولك أيضًا كرامتك وحقك في التقدير.
العدل قبل العاطفة: رابطة الدم عظيمة، لكن إذا غابت العدالة في الحقوق المالية أو المصالح المشتركة، فلا عاطفة تُعوّض. ضع اتفاقيات واضحة، ولا تتهاون في حقك.
العطاء بحدود: ساعد إخوتك وقت الأزمات، لكن لا تسمح أن يتحوّل العطاء إلى استغلال دائم.
الواقعية: بعض الإخوة لا يرون إلا أنفسهم؛ لا تبنِ توقّعات عالية حتى لا تُصدم. أعطِ بقدرٍ لا يجرحك إن أُنكِر.
التفريق بين المواقف: ميّز بين أخٍ يخطئ تحت ضغط الحياة، وآخر يجعل الأنانية مبدأ دائمًا. الأول يُعذَر، والثاني يُحدّ من تأثيره عليك.
حماية النفس: إذا كانت العلاقة لا تعطيك إلا الألم والجحود، فضع مسافة، وركّز على من يبادلك الاحترام.
الحبّ للأبناء، والبرّ بالإخوة، لا يعني إلغاء النفس. التوازن الصحيح يقوم على ثلاث دوائر:
دائرة النفس: كرامتك، صحتك، استقلالك.
دائرة الأبناء: الحبّ والرعاية والتوجيه بقدر، دون استنزاف.
دائرة الإخوة: العدل والمساندة عند الحاجة، دون التنازل عن الحقوق.
إذا انكسرت دائرة النفس فلن تنجح الدائرتان الأخريان.
مع الأولاد: أحبّ بلا قيد، لكن لا تُسلّم حياتك كلها بين أيديهم.
مع الإخوة: ساند وقت الشدّة، لكن لا تترك حقك مهما كان بسيطًا.
مع نفسك: أنت الأصل؛ ومن دونك لا قيمة لأي علاقة.
في عمر النضج والخبرة، ليس المطلوب أن نتوقّف عن الحبّ والعطاء، بل أن نمنح بوعي، ونوازن بين القلب والعقل.
فالحياة قصيرة، ولا تحتمل أن تُهدر في علاقات غير متوازنة، أو في انتظار امتنانٍ قد لا يأتي.
هذه خلاصة تجربة شخصية امتدّت لعقود؛ أقدّمها صوتًا لكل أبٍ أو أخٍ عاش مثل هذه التجربة، ليجد توازنه العاطفي من جديد بلا إفراط ولا تفريط.