Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون

قال الله تعالى:

﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: 9]

المال، في جوهره، ليس سوى وديعةٍ مودَعة في كفّ الإنسان، أمانة عابرة تمرّ كما يمرّ ظلّ السحاب على أرضٍ عطشى. وقد شاء الله أن يكون المال امتحانًا يبتلي به عبده: أهو شاكرٌ حين يُعطى؟ صابرٌ حين يُمنع؟ أم عبدٌ للدرهم والدينار، لا يرى في الرزق إلا وسيلةً للعلوّ والتفاخر؟


حين ينقلب المال على صاحبه

كم من فقيرٍ أضناه ضيق اليد، فرفع بصره إلى السماء قائلًا:
اللهم ارزقني، فإن رزقتني أنفقت، ولوجهك بذلت.
وهو في لحظات فقره متواضع، ليّن القلب، قريب العاطفة من الناس.

فإذا تبدّل الحال، وجاءه المال، انقلبت نفسه عليه؛ فإذا به يحصي ويعدّ، ويحرص ويمسك، كأنّ الذهب قد التصق بفؤاده فلا ينفكّ عنه. تلك هي طبيعة النفس إذا تُركت بلا زمامٍ من إيمان.

وكم ترى من أناسٍ يزدادون فقرًا كلما اغتنوا؛ فقرًا في أرواحهم، وفراغًا في صدورهم، وضيقًا في قلوبهم، رغم امتلاء الجيوب وتكدّس الصناديق.


داء الشحّ: حين يتسلّل الكبرياء

ثم يبدأ المرض الأخطر: شعورٌ بالتفوّق على الخلق، كأنّ المال جناحٌ يحمله فوق الناس. فيخيّل إليه أنّه أرفع قدرًا، وأعلى منزلة، فيبتعد عن أقرب الناس إليه:

  • أبٍ طالما أعطى،

  • أمٍّ طالما سهرت،

  • أخٍ شاركه الجوع،

  • صديقٍ آزره في المحنة.

وينسى أنّه كان واحدًا منهم بالأمس. هذا هو داء الشحّ إذا تملّك القلوب؛ يقسيها، ويزرع بينها جدران الريبة، ويُلبس صاحبه ثوب الكبرياء المزيّف.

ولا يزال الشيطان يوسوس له: إنهم يحسدونك، يتطلّعون إلى مالك. فيزداد انغلاقًا، ويظنّ نفسه في رفعة، وما هو إلا في هاوية.


ميزان القرآن في علاج الشحّ

أرشدنا القرآن إلى طريق النجاة منذ البدء، فقال تعالى:

﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾
[الإسراء: 26]

فجعل الأقربين أحقّ الناس بالعطاء، لا لأنهم أكثر استحقاقًا فحسب، بل لأنهم ميزان الاختبار؛ فمن ضنّ على أقرب الناس إليه، فكيف يسخو على أبعدهم؟


الرزق بقدر… لا عبث فيه

وما ذكر الله الرزق إلا وقرنه بكلمة بقدر، لتدرك أن ما يأتيك أو يُحجب عنك ليس اعتباطًا، بل بميزان حكيم، موزون بأدقّ موازين الرحمة والعلم.

قد يكون الغنى لبعض الناس وبالًا، وقد يكون الفقر رحمةً ونجاة. وقد يكون المال سلّمًا للكرامة، وقد يكون حفرةً للهلاك. من فهم هذه الحقيقة عاش مطمئنًا، وسلّم قلبه لله، وسعى في رزقه سعي العبد العامل، لا العبد المتعلّق بالأوهام.


حين يتحوّل المال إلى أغلال

إنّ الشحّ إذا سكن النفس:

  • حوّل الذهب إلى أغلال،

  • والمال إلى هموم،

  • والكثرة إلى فقرٍ داخلي لا يُروى.

أمّا من وُقي هذا الداء، فقد تحرّر، وأصبح المال في يده لا في قلبه، وسلك درب الفلاح الذي وصفه القرآن الكريم.


كيف يقي المؤمن نفسه من شحّها؟

  • الصدقة الخفية: دواء يطهّر القلب كما تطهّر النار الذهب من خبثه، وتعلّم النفس أن ما عند الله أبقى.

  • تذكّر الفناء: فما المال إلا عارية مردودة، وما بينك وبينه إلا زفرة أخيرة.

  • صحبة الكرماء: فالقلوب تُعدي، وصحبة الأسخياء تُلين النفس وتذكّرها بجمال العطاء.

  • القناعة: أن تنظر إلى من هو دونك في الدنيا، ومن هو فوقك في الدين، فتعيش بين شكرٍ وعمل.

  • اليقين بالزيادة: أن تدرك أن الصدقة لا تنقص المال، بل تزكّيه وتباركه، وأن ما أمسكت عنه لن يزيدك إلا فقرًا في داخلك.


الخاتمة

الفلاح الحقيقي ليس في كثرة المال، ولا في زخرف الدنيا، بل في كسر قيود الشحّ، وتحرير النفس من عبودية المال، وجعل الرزق سلّمًا إلى الله لا ستارًا يحجب عنه.

ومن يوق شحّ نفسه… فأولئك هم المفلحون.

Responsive Counter
General Counter
16715
Daily Counter
366