المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
منذ القِدم، ميّز الله الإنسان بالعقل والقدرة على الاختيار بين ما ينفع وما يضر.
غير أن هذا الاختيار قد يضلّ صاحبه أحيانًا حين ينجرف وراء لذّة عابرة تُخفي خلفها شرًّا عظيمًا.
فالإنسان قد يستسهل تناول قطعة حلوى محلاة بالسكر المكرر رغم علمه بأضراره،
كما قد يستسهل كلمة غيبة في مجلس رغم تحذير الشرع من خطورتها.
والنتيجة واحدة: ضعف في البنية الداخلية.
فإذا كان السكر المكرر يهدم جهاز المناعة ويقوّض سلامة الجسد،
فإن الغيبة تُضعف جهاز الإيمان وتخرّب أواصر المجتمع.
أظهرت دراسة كلاسيكية نُشرت عام 1973 أن تناول 100 غرام من السكر
يقلل نشاط كريات الدم البيضاء بنسبة قد تصل إلى 40% لمدة تقارب خمس ساعات،
ما يجعل الجسم أكثر عرضة للعدوى بشكل مباشر.
تؤكد أبحاث لاحقة أن الفطريات—مثل Candida albicans—
تنمو بسرعة أكبر عند ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم،
مما يزيد من العدوى الفطرية ومشكلات الأمعاء.
يؤدي السكر المكرر إلى ارتفاعات مفاجئة في الغلوكوز،
ما يرهق البنكرياس بإفراز الأنسولين. ومع الزمن تفقد الخلايا استجابتها،
فينشأ السكري من النوع الثاني، وتزداد مخاطر السمنة.
لا يمنح السكر شعورًا حقيقيًا بالشبع، بل يحفّز إفراز الدوبامين،
ما يدفع إلى الاستهلاك المتكرر، ويرفع مخاطر السمنة وأمراض القلب.
تؤدي عملية الارتباط السكري (Glycation) إلى تدمير الكولاجين والإيلاستين،
فتتسارع التجاعيد ويحدث فقدان المرونة.
قال رسول الله ﷺ:
«ذكرك أخاك بما يكره»
وصوّر القرآن الغيبة بأبشع صورة:
﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾
(الحجرات: 12)
تجعل الغيبة القلب يسلم بما قيل دون تمحيص،
فتُسمّم النفس بالحقد وسوء الظن،
كما يختل التوازن الداخلي للجسد مع تراكم السموم السكرية.
كما يضعف السكر جهاز المناعة، تضعف الغيبة جهاز الإيمان؛
تقتل روح الأخوّة، وتفسد سلامة الصدر، وتحرم القلب صفاء الذكر.
لا تقتصر أضرار الغيبة على الفرد؛
بل تمزّق نسيج المجتمع، وتبث الشكوك، وتزرع العداوة،
وتُسقط الثقة بين الناس.
يعيش المُغتاب في قلق دائم، يراقب عيوب الناس أكثر مما يصلح عيوب نفسه،
مولّدًا توترًا واضطرابًا نفسيًا يشبه الخلل الهرموني الناتج عن الإفراط في السكر.
كلاهما يبدأ بلذّة صغيرة عابرة.
كلاهما ينتهي بفساد عميق يصعب علاجه.
فالسكر يمنح لذّة الطعم، والغيبة تمنح لذّة الكلمة؛
لكن السكر يدمّر المناعة، والغيبة تدمّر الإيمان.
وكما وُصف السكر بـ«السم الأبيض»،
شبّه القرآن الغيبة بأكل لحم الأخ الميت—تصوير بالغ القسوة والوضوح.
يحفّز السكر مراكز المكافأة عبر الدوبامين،
ومع الوقت يحتاج الإنسان لكميات أكبر للشعور بنفس المتعة—وهو الإدمان الغذائي.
تشبع الغيبة حاجة نفسية زائفة للشعور بالتفوّق أو تبرير التقصير،
وتتحول مع التكرار إلى عادة ذهنية ولسانية—
«سكر اجتماعي» يخلّف مرارة وفسادًا بعد زواله.
يرتبط الإفراط في السكر بتقلّب المزاج والقلق والاكتئاب،
وكذلك تؤدي الغيبة إلى قلق دائم وسوء ظن وشيخوخة روحية
تُقسي القلب وتحجبه عن النور.
إذا كان الطب يحذّر من السكر بوصفه «السم الأبيض» الذي يفتك بالجسد ببطء،
فإن القرآن يحذّر من الغيبة بوصفها أكل لحم الأخ الميت—وهي صورة أشد فظاعة.
كلاهما يبدأ بلذّة صغيرة وينتهي بفساد عظيم.
الجسد أمانة، والإيمان أمانة، ولا يستقيم أحدهما دون الآخر.
Cohen, R. et al. (1973).
Effect of sugar on immune system function.
The American Journal of Clinical Nutrition — دراسة كلاسيكية أثبتت أن تناول السكر يقلل نشاط كريات الدم البيضاء لفترة مؤقتة.
World Health Organization (WHO) (2022).
Guideline: Sugars intake for adults and children.
تقرير منظمة الصحة العالمية حول مخاطر السكر الحر وعلاقته بالسمنة والسكري وأمراض القلب.
Moyes, D. L. et al. (2016).
Glucose metabolism and Candida albicans pathogenicity.
Clinical Microbiology Journal — يوضح العلاقة بين ارتفاع الغلوكوز ونمو الفطريات والعدوى.
Harvard T.H. Chan School of Public Health.
Sugary drinks and obesity.
أبحاث وبائيات التغذية حول المشروبات المحلاة وزيادة مخاطر السمنة وأمراض القلب.
Pageon, H. (2012).
Glycation and skin aging.
Dermato-Endocrinology — دراسة توضح تأثير الارتباط السكري على الكولاجين وشيخوخة الجلد المبكرة.
Knüppel, A. et al. (2017).
High sugar intake, depression, and mood disorders.
Scientific Reports — يربط الإفراط في السكر بتقلّب المزاج والاكتئاب.
القرآن الكريم
سورة الحجرات، الآية 12 — تحريم الغيبة وتشبيهها بأكل لحم الأخ الميت.
صحيح مسلم
كتاب البر والصلة، باب تحريم الغيبة — تعريف الغيبة وخطورتها الشرعية.
ابن القيم الجوزية
مدارج السالكين — في أثر الغيبة على القلب والمجتمع والأخلاق العامة.