Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

الأمانة الوظيفية

 

بين ضياع التخصص وضياع الضمير

في كثير من الأحيان، يُعيَّن موظفون في دوائر حكومية أو مؤسسات عامة بناءً على شهاداتهم وتخصصاتهم الدقيقة،
ثم يُفاجَأون عند مباشرة العمل بأنهم وُضعوا في غير مجال اختصاصهم.
فتتحول بيئة العمل من فرصة للعطاء والإبداع
إلى روتينٍ مملّ يفتقر إلى الدافعية.

ومع مرور الوقت، يتأثر الموظف بسلوكيات بعض زملائه الذين لا يؤدّون أعمالهم كما ينبغي،
فينحدر هو الآخر — تدريجيًا — إلى دائرة الإهمال،
مكتفيًا بالحضور والانصراف دون روح ولا إنجاز.


الأجر والضمير

هنا يبرز سؤال مصيري:
هل الراتب الذي يتقاضاه هذا الموظف حلال، أم مشوب بشبهة؟

الجواب مرتبط بالأمانة؛
فالإسلام جعل العمل عبادة إذا أُتقن، وحذّر من الغش والإهمال.
قال رسول الله ﷺ:

«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»

فالأجر في حقيقته مقابل العمل،
فإذا قصّر الموظف في أداء مهامه،
أو اكتفى بالوجود الشكلي دون إنجاز،
فقد أخذ مالًا بغير وجه حق.

وحتى لو وُضع في غير تخصصه،
فإن مسؤوليته لا تسقط؛
لأنه قبل الوظيفة،
وارتبط بها بعقدٍ وعهدٍ أمام الدولة والمجتمع،
وقبل ذلك أمام الله.


المسؤولية الاجتماعية

الموظف ليس فردًا معزولًا،
بل هو ترس في منظومة تخدم مصالح الناس.
إهماله أو تقصيره لا يتوقف أثره عند شخصه،
بل يمتد إلى:

  • تعطيل مصالح المراجعين

  • إطالة الإجراءات دون مبرر

  • ظلم المواطنين الذين ينتظرون حقوقهم

ومن هنا يبدأ الفساد الإداري في التسلل؛
لا عبر القضايا الكبرى فقط،
بل من خلال هذه الثغرات الصغيرة
التي تنشأ من الإهمال الفردي،
ثم تتضخم حتى تُهدر المال العام
وتُضعف ثقة المجتمع بالمؤسسات.


الأمانة أمام الله

قال الله سبحانه وتعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
(الصافات: 24)

فالموظف سيُسأل يوم القيامة عن الأمانة التي أُوكلت إليه،
وعن ساعات العمل التي أهدرها،
وعن الأموال التي أخذها دون مقابل حقيقي.

وقد يكون هذا المال وبالًا عليه في الدنيا قبل الآخرة؛
فتُنزَع منه البركة،
ويُبتلى في رزقه أو صحته،
ويثقل حسابه بين يدي الله.


ما للموظف وما عليه

ما له

  • أن يطالب بحقه في أن يُوضَع في مكان يناسب تخصصه وقدراته

  • أن يسعى لتحسين بيئة عمله عبر المطالبة المشروعة والنزيهة

ما عليه

  • أن يلتزم بالمهام الموكلة إليه ما دام يشغل هذا المنصب

  • أن يجتهد قدر استطاعته، وألا يبرر التقاعس بسوء التوزيع الوظيفي

  • أن يكون قدوة في الإخلاص، لا تابعًا للمهملين


كلمة إصلاحية

إن إصلاح مؤسساتنا يبدأ من الفرد.
فإذا أصلح الموظف نيته وعمله،
أصبح لبنة صالحة في بناء الوطن.
أما إذا خان الأمانة،
فقد شارك — دون أن يشعر — في نشر الفساد.

وعلى الجهات المسؤولة أن تراعي التخصص والكفاءة في التوظيف،
وألا تجعل طاقات الشباب وقودًا للملل والإحباط؛
لأن ضياع الطاقات خسارة للوطن
قبل أن تكون خسارة للفرد.

Responsive Counter
General Counter
16683
Daily Counter
334