المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
من يتأمّل في حال بعض الناس يجد أن حياتهم لا تقوم إلا على العداوة والصراع؛
فهم لا يرتاحون إلا بوجود خصمٍ يتخذونه شماعة لتبرير مظلوميتهم المزعومة.
يعيشون على استنزاف الآخرين، ويسلبون حقوقهم،
ويلبسون طغيانهم ثوب «الحق المكتسب».
هذه صورة متكررة عبر التاريخ،
وقد وصف القرآن الكريم هذه الفئة وصفًا دقيقًا حين قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
(البقرة: 11–12)
من سنن الله في الكون أن الظالم يُبتلى بظلمه،
فينقلب عليه ما اقترفت يداه،
وتتحوّل القوة التي اغترّ بها إلى نقمة عليه.
قال النبي ﷺ:
«إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»
(رواه البخاري ومسلم)
يبدأ الظالم عهده بالتسلّط على الآخرين،
ثم مع مرور الزمن يُسلَّط عليه أقرب الناس إليه،
فيذوق من نفس الكأس التي سقاها لغيره.
وهذا من عدل الله وحكمته؛
فلا مال يُجمع بغير حق يدوم،
ولا سلطان يُبنى على قهر الناس يورث راحة أو استقرارًا.
المصيبة الكبرى عند هؤلاء ليست فقط في أفعالهم،
بل في تأصّل الشر داخل نفوسهم حتى يصبح طبعًا راسخًا لا يزول.
فإذا حاول أحدهم التوبة أو تغيير السلوك،
وجد نفسه أسير عاداته القديمة؛
تفضحه المواقف، ويغلبه ما في داخله من نزعة البغي والعدوان.
وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة بقوله تعالى:
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(المطففين: 14)
فالقلب إذا ران عليه الظلم والعداوة
صار كالوعاء المظلم؛
كلما حاول صاحبه إخراج نور الخير
لم يجد له طريقًا.
لا يعيش هؤلاء بمعزل عن محيطهم،
بل يتركون أثرًا مدمّرًا في المجتمع، يتمثّل في:
زرع الكراهية والبغضاء بين الناس.
تقويض الثقة وروح التعاون الاجتماعي.
إنشاء جيلٍ مشوَّه يتعلّم أن القوة تُؤخذ غصبًا،
وأن المال يُجمع بالتسلّط لا بالكَدّ والعمل.
لكن الله لا يترك المجتمع فريسةً لهم؛
بل يجعل نهايتهم عبرة لغيرهم،
فتسقط هيبتهم،
وتتحوّل حياتهم إلى سلسلة من الخلافات الداخلية،
حتى مع أبنائهم وذويهم.
الإنسان لا يُقاس بما جمع من مال،
ولا بما ملك من جاه،
بل بما يتركه من أثرٍ طيب بين الناس.
من عاش بالخصومة انتهى إليها،
ومن عاش بالعدل والرحمة
ورث محبة الله ومحبة عباده.
وقد لخّص النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله:
«أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس»
(رواه الطبراني)
الأشقياء الذين لا يعرفون إلا لغة العداوة
هم أسرى لأنفسهم؛
يعيشون في ظلمات الخصومة والطغيان حتى يهلكوا.
أما السعداء،
فهم الذين يزرعون الخير،
فيحصدون السلام في الدنيا،
والرحمة في الآخرة.