Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

الاستسقاء المالي: داءٌ لا يشبع صاحبه حتى يهلك

في الطب يُعرَف الاستسقاء الكبدي بأنه مرض يُنهِك صاحبه؛
يشرب الماء ولا يرتوي، ويظل عطشان حتى يذوي جسده وينتهي إلى الهلاك.

وفي زماننا نرى مرضًا أخطر،
لا يصيب الجسد بل يصيب الضمير،
أسميه: الاستسقاء المالي.

هو داء يجعل صاحبه يجمع المال بلا حدّ،
ويكدّس الأملاك بلا توقف،
ثم يمدّ عينه إلى ما عند غيره كأنه لا يملك شيئًا.
يدّعي الفقر وهو غارق في النعيم،
ويطارد أرزاق الناس ليضيفها إلى خزائنه،
فلا يهنأ بما بين يديه،
ولا يعرف للراحة طعمًا،
حتى ينقضي عمره عطِشًا لا يُروى.


صور من التاريخ والواقع

قارون

ضرب القرآن بقارون مثلًا خالدًا؛
أُوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة،
ومع ذلك طغى وقال:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾

فكانت النهاية أن خسف الله به وبداره الأرض.
إنها نهاية كل من ابتُلي بالاستسقاء المالي:
مالٌ بلا قناعة،
فيتحوّل الغنى إلى لعنة.


عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

كان من أثرى الصحابة،
ومع ذلك جهّز جيش العُسرة بماله،
وبذل بلا خوف من الفقر،
فعاش غنيًّا بالقناعة لا بالرّصيد.

هنا يظهر الفرق بين:
من اتخذ المال وسيلة للخير،
ومن جعله غايةً للجشع.


قصص معاصرة

كم من رجل أعمال جمع المليارات،
لكنه عاش شقيًّا يخشى ضياعها،
ويخاصم أهله عليها،
فلا يعرف للبركة طعمًا.

وفي المقابل نرى عاملًا بسيطًا
يعيش من الكفاف سعيدًا مطمئنًا،
ينام قرير العين،
بينما يتقلّب صاحب الثروات على فراشه قلقًا.


دروس وعِبر

  • المال بلا قناعة وبال
    من جمع ولم يشبع كان كمن يشرب ماء البحر؛
    كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا.

  • القناعة تزرع السعادة
    الغنى غنى النفس لا غنى اليد؛
    من رضي عاش غنيًّا وإن قلّ دخله.

  • المال وسيلة لا غاية
    من جعله وسيلة للبذل والعطاء عاش مكرّمًا،
    ومن جعله غاية للكنز عاش مذلولًا.

  • الجزاء العادل
    سنن الله لا تتغيّر؛
    الطغاة والجاحِدون للنعمة
    مهما ملكوا نهايتهم إلى زوال وخزي.


العلاج

لا دواء للاستسقاء المالي
إلا بإحياء القناعة في النفوس،
وتربية القلب على شكر النِّعم،
والتذكير الدائم بأن المال فتنة لا معيار كرامة.

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ
وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

(التغابن: 15)


العِبرة الكبرى

المال إذا صار هدفًا صار نقمة،
وإذا صار وسيلة صار نعمة.

وبين هذين الموقفين
يتحدّد مصير الإنسان في دنياه وآخرته.

Responsive Counter
General Counter
16668
Daily Counter
319