المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
قال الحسن البصري رحمه الله — أو رُوي عن بعض الصحابة —:
«ما الدنيا إلا صبابة كصبابة الإناء،
يتصابّها صبيانكم.»
وقال رسول الله ﷺ:
«هل تنتظرون إلا غِنىً مُطغيًا،
أو فقرًا مُنسيًا،
أو مرضًا مُفسدًا،
أو هَرَمًا مُفنِّدًا،
أو موتًا مُجهزًا،
أو الدجالَ فشرُّ غائبٍ يُنتظر،
أو الساعةَ، والساعةُ أدهى وأمرّ.»
(رواه الترمذي)
كثيرًا ما يظن الإنسان أن الدنيا بحرٌ واسع،
فإذا بها — عند التأمل —
مجرد قطرات قليلة في إناء،
سرعان ما تنتهي،
ويتزاحم عليها الناس
كما يتزاحم الأطفال
على بقايا ماء لا تكفيهم جميعًا.
هذا الوصف البليغ من السلف
يضع الدنيا في حجمها الحقيقي؛
فهي لا تساوي شيئًا
أمام ما عند الله من بقاء وخلود.
ومهما ظننا أن العمر طويل،
ومهما تزيّنت لنا الحياة بالمال والجاه والمتاع،
فإن كل ذلك ينفد فجأة،
كزخّات المطر إذا جفّت الأرض،
ويبقى الإنسان في مواجهة الحقيقة الكبرى:
الموت وما بعده.
لخّص النبي ﷺ مستقبل كل إنسان
في كلمات جامعة
ترسم مسار الحياة بكل احتمالاتها:
إن انتظرت الغنى،
فقد يكون غنىً يُطغيك ويُنسيك.
وإن نزل بك الفقر،
فقد يشغلك ويُنسيك الآخرة.
وإن أُعطيت الصحة،
فسرعان ما يطرق بابك المرض.
وإن سلمت من المرض،
فالعمر يتناقص حتى يطرقك الهرم.
وإن نجاك الله من كل ذلك،
فالموت حتمٌ لا مفرّ منه.
وبعده الدجال وفتنته،
ثم القيامة،
وهي أدهى وأمرّ لمن غفل.
هذه السلسلة
ليست لتخويف الإنسان،
بل لتنبيه عميق
لئلا ينخدع بالدنيا؛
فهي طريق قصير،
مزدحم بالابتلاءات،
ومفضٍ إلى نهايات محتومة.
الإنسان مفطور على حبّ ما يراه أمامه:
المال،
والمنصب،
واللذة،
والبيت،
والشهرة.
كلها تغريه لأنها قريبة الملمس،
بينما الآخرة تبدو بعيدة
لأنها غيبية.
لكن في لحظة مرض شديد،
أو عند فقدان قريب،
أو أثناء دفن صديق،
تنكشف الحقيقة فجأة،
ويظهر للإنسان حجم الوهم
الذي كان يعيش فيه.
كأننا جميعًا
نتشاجر على قطرات ماء
في إناء مائل،
وسرعان ما تسقط القطرات على الأرض،
فيضيع الصراع كله.
العاقل ليس من يترك الدنيا بالكلية،
فذلك ليس هو المطلوب،
وإنما العاقل
من يتعامل معها بوعي:
يعمل فيها لأنه مأمور بالعمل.
يستمتع بما أحلّ الله
لأنها زينة عابرة.
لكنه لا يجعلها في قلبه وطنًا ولا غاية،
بل محطة عبور.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة،
وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة،
ولكل واحدةٍ منهما بنون،
فكونوا من أبناء الآخرة،
ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛
فإن اليوم عملٌ ولا حساب،
وغدًا حسابٌ ولا عمل.»
إدارة الطموحات
لا تجعل عملك أو مالك غاية وجودك،
بل وسيلة لحياة متوازنة.
تقدير الوقت
كل دقيقة تقرّبك من النهاية،
فلا تُهدر وقتك على سراب.
الاستعداد للمصير
اجعل في جدولك نصيبًا للآخرة:
صلاة، وذكر، وصدقة، وبر،
وعلم نافع.
الزهد الواعي
ليس ترك المال،
بل وضعه في اليد لا في القلب.
الدنيا — بكل ما فيها —
صبابة ماء،
تتهافت عليها النفوس،
وتتشاجر عليها
كما يتشاجر الأطفال
على ما لا يُغنيهم.
أما الآخرة
فهي البحر العظيم،
العذب الصافي،
الذي لا ينفد ولا يزول.
فلنراجع أنفسنا بصدق:
هل نحن ممن باعوا البحر بالصبابة؟
أم ممن استثمروا الصبابة
ليفوزوا بالبحر؟