المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
قال رسول الله ﷺ:
«لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ،
حتى يُسألَ عن عمرِه فيمَ أفناه؟
وعن علمِه فيمَ فعل فيه؟
وعن مالِه من أين اكتسبه؟
وفيمَ أنفقه؟
وعن جسمِه فيمَ أبلاه؟»
(أخرجه الترمذي، والدارمي، والبيهقي)
المال أمانة، نعم أمانة.
لكنه عند بعضنا أصبح أشبه بكوب قهوة مزخرف بالكريمة والشوكولاتة:
يُشترى بلا وعي،
ويُسحب المبلغ من البطاقة بابتسامة،
وكأننا نلعب لعبة فيديو بلا عواقب.
غير أن الحقيقة مختلفة؛
فكل ريال يخرج من يدك أمانة ستُسأل عنها،
وكل قرار إنفاقي غير محسوب
هو شهادة عليك لا لك.
تخيل رجلًا تجاوز السبعين من عمره،
يروي أنه لم يراجع فواتير مشترياته من السوبرماركت طوال حياته.
النتيجة؟
ديون تمتد لبقية العمر.
السبب؟
غياب المحاسبة،
وضعف الوعي المالي،
وربما فقدان البركة في الكسب، جزئيًا أو كليًا.
فالمال بلا وعي استهلاكي
يتحول من نعمة إلى قيد.
أصبحت المقاهي الحديثة رمزًا للحياة الاجتماعية:
مكانًا للاجتماع،
والتسلية،
وصناعة القصص على وسائل التواصل.
لكن الأسعار… يا للأسف!
فنجان القهوة الذي كان قبل خمسة عشر عامًا بعشرة ريالات،
أصبح اليوم بسبعة وعشرين ريالًا.
وقطعة الكيك التي كانت بخمسة ريالات،
باتت اليوم بتسعة وثلاثين ريالًا!
أليس من المثير للسخرية
أن نجد في البقالة قطعة كيك قريبة في الجودة، بلا زينة،
بريالين فقط؟
الأدهى من ذلك
أن بعض الناس يفرح بسحب المبلغ من البطاقة الإلكترونية،
وكأن صوت آلة الدفع
يعوّضه عن القيمة الحقيقية للمال!
ألا يعلم أن هذا المال أمانة؟
وأن كل ريال يُصرف بلا تفكّر
سيُسأل عنه يوم القيامة؟
فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق:
هل فنجان القهوة هذا يستحق هذا السعر؟
هل قطعة الكيك بهذه القيمة ضرورة؟
أم أنها مجرد ديكور، وجلسة أنيقة، وخداع نفسي؟
الإنفاق الواعي يبدأ بالسؤال، لا بالاندفاع.
لنتذكر تجربة اليابان:
طبق البيض بقي على سعره خمسةً وعشرين عامًا.
وعندما حاولت الشركات رفع السعر قليلًا،
قاطع الناس المنتج،
فاضطرت الشركات لإرجاع السعر القديم.
درس بسيط لكنه عميق:
العقلانية في الشراء قوة، والتبذير ضعف.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«رَخِّصوها»
أي: لا تشتروا السلعة إذا كانت غالية،
فتَرخص.
فليكن إنفاقنا:
على الضروريات: حكمة
وعلى الترفيه: اعتدال
المال أمانة،
والرفاهية بلا عقلانية
تجعلنا أسرى للمظاهر والموضة.
فلنستخدم أموالنا بعقل،
ولنسأل أنفسنا في كل مرة نمد فيها البطاقة:
هل هذا ضروري؟
أم مجرد تسلية عابرة؟
فلنحافظ على المال،
ونحمي كرامتنا،
ولا نجعل ضغط المظاهر والعادات الاجتماعية السيئة
يفقدنا عقلانيتنا في الصرف.
ولنكن قدوة لغيرنا:
أن يكون الإنفاق حكمة
وأن يكون التبذير خيبة
وأن نكون أمناء على ما وهبنا الله من مال ونعمة،
فنصرفه في مواضعه المستحقة.