Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

العلم وأهميته في نهضة الأمم

بين رفعة المقاصد وانحراف البوصلة

قال الله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[الزمر: 9]

بهذا السؤال الاستنكاري البليغ،
يفرّق الله سبحانه وتعالى بين من يحملون نور العلم
ومن يعيشون في ظلام الجهل،
ليقرّر حقيقة ثابتة:
أن العلم هو الذي يرفع قدر الإنسان ويميّزه عن غيره.
فلا يستوي في ميزان الله، ولا في ميزان الحياة،
من يعلم ومن لا يعلم.


أهمية العلم: أساس نهضة الأمم وسرّ تمايز البشر

العلم ليس مجرد تراكم معلومات،
بل هو وسيلة تهذيب للإنسان،
وبوابة لمعرفة الخالق،
وطريق لإحسان التعامل مع الخلق.

والعلم درجات،
وأعلاها ما يُصلح علاقة العبد بربه،
وهو العلم الشرعي
الذي يرسّي القيم والأخلاق،
ويرشد العقول إلى مكانة كل علم نافع
يُعمَر به الإنسان الأرض.

لقد خلقنا الله لعبادته،
ولا تكتمل العبادة إلا بعلم.
وخلقنا كذلك لإعمار هذا الكون،
ولا يتحقق ذلك إلا بالتعلّم والعمل،
وتوريث العلم من جيل إلى جيل.

في كل جيل تُسلَّم الشعلة لمن بعده،
في سلسلة من البناء المستمر،
ولا تنهض بهذه السلسلة
إلا الأمم التي تقدّر العلم وتكرّم أهله.


العلم يبني والجهل يهدم

قال الشاعر:

العِلمُ يَبني بيوتًا لا عمادَ لها
والجهلُ يهدمُ بيتَ العِزِّ والكرمِ

يلخّص هذا البيت حال الأمم بدقة:
فالعلم يبني، والجهل يهدم.

وما تراجعت أمتنا
إلا حين تخلّت عن العلم،
ولا سيما العلوم الشرعية
التي كانت الأساس المتين
للحضارة الإسلامية العظيمة.


انحراف بوصلة العلم في العصر الحديث

للأسف، تحوّل مفهوم العلم في كثير من مجتمعاتنا
من وسيلة للبناء
إلى وسيلة للتفاخر.

وأصبح بعض الناس
يتخذون من الشهادات سلّمًا للجاه والمال
والمكانة الاجتماعية،
لا وسيلة لخدمة الأمة أو نفع الناس.

وهكذا فُقدت بوصلة العلم،
وأصبح كثير من الطلبة لا يدرسون حبًا في المعرفة،
ولا شغفًا بالفهم،
بل طلبًا لوظيفة أو وسيلة عيش،
لا غاية بناء ولا رسالة إصلاح.


الشهادات الدراسية: وسيلة لا غاية

لا شك أن الدراسة الأكاديمية مهمة،
فهي دليل على اجتياز مراحل علمية حقيقية،
ويُفترض بصاحبها أن يكون مؤهلًا في مجاله.

لكن من الظلم
أن نجعل الشهادة وحدها
المقياس الوحيد للعلم.

كثير من الناس حُرموا من إكمال دراستهم
لأسباب مالية أو اجتماعية
أو بسبب ظلم في أنظمة التعليم.

ومن المؤسف أن يُحدَّد التخصص
بناءً على نسبة الثانوية فقط،
دون اعتبار لقدرات الشخص،
أو ميوله،
أو احتياجات المجتمع.

ولو وُجدت جهات متخصصة
تقيس قدرات الطلاب بدقة،
وتوجّههم للتخصص الأنسب لهم ولأمتهم،
لارتفع مستوى الرضا،
وزادت الكفاءة في مختلف الميادين.


الطب بين القيمة والممارسة

تحتل مهنة الطب مكانة رفيعة في مجتمعاتنا،
وهي مكانة مستحقة
إذا مورست على حقيقتها.

فالطب:

  • مهنة إنسانية أولًا

  • علمية ثانيًا

  • أخلاقية ثالثًا

لكننا نرى اليوم
أن بعض الأطباء يتعاملون مع المهنة
كوظيفة روتينية،
لا كرسالة سامية.

والطبيب مسؤول عن أرواح الناس،
ومن واجبه أن يعامل مرضاه
بأقصى درجات الرحمة والصدق
في البحث، وفي التدريس، وفي العلاج.

وحين يفقد الطبيب إخلاصه،
تتحول المهنة إلى تجارة،
والمريض إلى رقم.

فالعلم، والطب خاصة،
لا قيمة له ما لم يُمارس بأخلاق،
إذ إن العلم بلا أخلاق
كالسيف في يد مجنون
.


خاتمة: هيبة الأمة من هيبة علمها

لقد فقدت أمتنا هيبتها
حين فقدت هيبة العلم.

يوم كان العلماء سادة المجتمع،
كانت الأمة في المقدمة.
ويوم أصبح المال، والجاه،
والشهادات الفارغة
هي معيار التقدير،
تراجعت الأمة وتقَهقرت.

إن العودة إلى العلم الحق النافع
الشرعي والدنيوي،
هي مفتاح النهضة،
وسبيل استعادة المكانة والكرامة
والريادة بين الأمم.


دعوة للتفكّر

  • هل نعلّم أبناءنا حب العلم لوجه العلم؟

  • هل نربي فيهم الإخلاص والنية الصافية لخدمة الناس؟

  • هل نكرّم من يسعى للعلم، ولو لم يحمل شهادة؟

  • هل نعيد للمعلم، والباحث، والطبيب، والمجتهد
    مكانتهم الحقيقية؟

إذا كانت الإجابة «لا»،
فلنبدأ اليوم
بإصلاح البوصلة.

Responsive Counter
General Counter
16674
Daily Counter
325