المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في زمنٍ كثرت فيه الفتن،
وتكالبت فيه الدنيا على القلوب،
وضاقت فيه الأرواح رغم اتساع البيوت،
لم تَعُد المشكلة في قلّة الوسائل،
بل في قسوة القلوب.
نِعَمٌ لم تعرفها البشرية من قبل:
تقنيات، تواصل، تنقّل، اتصال…
ومع ذلك زادت القطيعة،
وندر البرّ،
وصار الخير يُقاس بالمصلحة،
حتى أصبح جبر الخواطر غريبًا،
وصلة الرحم عبئًا،
والتسامح ضعفًا،
والوفاء لله ورسوله ثقيلاً في الميزان.
قال الله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأعراف: 96]
كم من إنسان يلهث خلف الرزق فلا يجده،
وكم من قلبٍ خاوي رغم الثروات؛
لأن مفتاح البركة ضاع منه:
الإيمان بالله، والتقوى في السرّ والعلن.
هذه الآية ليست وعدًا بالخير فقط،
بل قانون رباني للحياة:
حيثما وُجد الإيمان والتقوى
جاءت البركات من حيث لا تُحتسب،
وحيثما انتشر الظلم، والقطيعة،
وكسر الخواطر، والأنانية،
رُفعت البركة،
وضاقت الدنيا رغم سعتها.
قال رسول الله ﷺ:
«تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»
(رواه البخاري)
السعادة لا تأتي من حسابات البنوك،
ولا من المناصب،
بل من قربك من الله،
ومن حبك لرسوله ﷺ،
ومن قلبٍ طاهرٍ
يفيض رحمة على خلق الله.
السعيد هو من:
إذا ذُكر الله وجِل قلبه
وإذا رأى أخاه المسلم سلِم قلبه ولسانه
وإذا رأى فقيرًا رقّ له قلبه
وإذا سمع الأذان ابتسم شوقًا للصلاة
قال رسول الله ﷺ:
«اتقوا النار ولو بشق تمرة،
فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة»
(رواه البخاري ومسلم)
وقال الإمام سفيان الثوري:
«ما رأيت عبادةً يتقرب بها العبد إلى الله
مثل جبر الخواطر»
جبر الخاطر لا يحتاج مالًا،
بل قلبًا سليمًا:
أن تُشعر من حولك بالأمان والاحترام
أن تُهوّن على من ضاقت عليه دنياه
أن تمسح دمعة
أن ترفع قيمة إنسانٍ شعر بالضعف
كل ذلك عبادة عظيمة،
يغفل عنها كثيرون،
وهي عند الله عظيمة.
وقال ﷺ:
«من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا
نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة»
(رواه مسلم)
كلمة قاسية،
تجاهل،
ازدراء،
نظرة احتقار…
كلها من كسر الخواطر.
والله لا يرضى لعباده الإهانة،
ولا يقبل أن يُذلّ ضعيف،
أو يُهمل مكسور.
قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ
وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[البقرة: 83] – [آل عمران: 159]
كم من رحمٍ قُطعت لأسباب تافهة:
«أخجل أن أبدأ بعد طول الغياب»
«هم من بدأوا بالقطيعة»
«ما عاد بيننا مصالح»
«أزعجوني بمواقفهم»
قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ
أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾
وقال ﷺ:
«لا يدخل الجنة قاطع رحم»
(رواه مسلم)
وقال أيضًا:
«من أحب أن يُبسط له في رزقه
ويُنسأ له في أثره
فليصل رحمه»
(رواه البخاري ومسلم)
من أراد البركة في العمر والرزق
فليصل رحمه:
بالزيارة، والسؤال، والتسامح،
وإحياء مشاعر المودّة.
البر ليس في الكلمات،
بل في الأفعال:
أن تتواضع لأهلك
أن تصبر على زلات والديك
أن تعين إخوتك
أن تعفو عمّن أساء
وأن لا تنكر فضل من سبقك بالخير
قال تعالى:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
[الإسراء: 24]
آباؤنا وأمهاتنا بشر،
يخطئون ويتعبون،
لكنهم يحبوننا أكثر من أنفسهم.
ومن الخسارة أن يكبر الإنسان
ويخجل من والدَيه،
أو يبتعد عنهما بحجة الانشغال.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]
محمد ﷺ أُرسل رحمةً لك،
وهاديًا إليك،
ومحبًا لك أكثر مما تتخيّل.
فهل تحب من يحبك؟
وهل تقتفي أثره؟
وهل تستحي أن تعصي
من جاء فقط ليهديك؟
قال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ
أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الممتحنة: 8]
الإسلام دين عدل ورحمة،
لا يبيح البغض لمجرد الاختلاف،
ما داموا غير معتدين.
فالبرّ، والعدل، وحسن المعاملة
دعوة صامتة إلى الإسلام.
من جبر الخواطر، جبر الله خاطره
من وصل رحمه، وصله الله
من أحب الله ورسوله، شرح الله صدره
من عفا عن الناس، عفا الله عنه
من قال خيرًا، وترك الشر، وسعى في الخير
كان من أهل الجنة
اللهم اجعلنا من أهل القلوب الرحيمة،
والألسن اللينة،
والوجوه البشوشة،
والقلوب الصافية.
اللهم ارزقنا حبك،
وحب من يحبك،
وحب كل عملٍ يقرّبنا إلى حبك.
اللهم لا تجعلنا من القاطعين،
ولا من الكاسرين لخواطر عبادك،
بل من الجابرين،
الواصلين،
المتواضعين،
التائبين،
الذاكرين.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير،
مغاليق للشر،
واغفر لنا ولوالدينا
ولمن له حقّ علينا
برحمتك يا أرحم الراحمين.