المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ
حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا
فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[يونس: 24]
عندما ينظر الإنسان اليوم إلى ناطحات السحاب التي تلامس الغيم،
وشبكات الطرق التي تربط القارات،
والجسور المعلّقة،
والاختراعات المبهرة،
والمدن الذكية التي تُدار بلمسة إصبع،
يكاد يظن أن الأرض قد دانت له،
وأنه أصبح «قادرًا عليها»
كما تصف الآية الكريمة بدقة ربانية مذهلة.
لكن…
هل هي حقيقة ثابتة؟
أم زينة زائلة؟
يصف القرآن الكريم الحياة الدنيا
بأنها مثل زرعٍ نبت وسُقي وازدهر،
حتى إذا بلغ ذروة نضجه وكماله:
﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾
ثم غَرَّ أهلَها بريقُها:
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾
فإذا بأمر الله يأتي فجأة،
فتصير الأرض التي غنّت بالحياة حصيدًا،
كأن لم تكن بالأمس.
إنه مشهد عظيم
يصف دورة الحياة بكل تقلّباتها،
ويكشف ضعف الإنسان
مهما بلغ من العلم والعمران.
الرسالة الربانية في هذه الآية واضحة:
إياك أن تنبهر بزخرف الحياة فتغفل عن حقيقتها
إياك أن تظن أن التقدم والعمران والتكنولوجيا
تعني السيطرة والدوام
فكل ما تراه حولك من ناطحات، وجسور، ومخترعات، وزينة مدن،
مهما بدا عظيمًا،
هو مؤقت وزائل،
ولا يصمد أمام أمرٍ من أوامر الله
يأتي في لحظة… ليلًا أو نهارًا.
هذه الآية موجّهة لكل من اغترّ بما أنجز،
وظن أن الأرض باتت طوع أمره،
وتناسى أنه مخلوق ضعيف
لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا.
في لحظة واحدة:
تنقطع الكهرباء عن مدينة كاملة رغم أنظمة التحكم
تتهاوى البورصات رغم الحسابات والخوارزميات
تتوقف مصانع ضخمة بسبب عطلٍ في شريحة صغيرة
ينهار برج شاهق بهزّة أرضية بسيطة
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
تُختم الآية بقول الله تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وليس لكل الناس…
بل لمن يتفكّر.
فالقرآن لا يكتفي بالوعظ،
بل يدعو إلى التأمل العميق
في سنن الله في الكون،
وفي حقيقة الحياة الدنيا
التي مهما ازدانَت وتزيَّنَت
تبقى في ميزان الله
زائلة، هينة، ضعيفة.
أيها الإنسان،
كل ما في الدنيا سيزول.
لا تغتر بإنجازاتك،
ولا تنبهر بزخرفها.
ضع قلبك حيث لا تنقطع النعم،
وابنِ ما يدوم
بعد فناء الجدران والطرقات.
تدبّر القرآن،
وتفكّر في الآيات؛
فربك لم يخلقك لتنبهر،
بل لتعتبر.