المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عزّ وجلّ:
«العِزُّ إزاري، والكِبرياءُ ردائي،
فمن نازعني فيهما قصمتُه ولا أُبالي.»
حديثٌ قصيرُ الألفاظ، عظيمُ الدلالات،
لو وقر في القلوب حقًّا لغيّر مسار كثيرٍ من النفوس،
وردّها إلى حجمها الحقيقي
قبل أن تُقصَم بكِبرها.
في زمنٍ تعاظمت فيه مظاهر القوّة، والثروة، والشهرة، والسلطة،
تفشّى داءُ الكِبر بين الناس،
حتى غدا مرضًا اجتماعيًا ونفسيًا،
يتلوّن بألوان شتّى:
كِبرٌ بالمال
كِبرٌ بالعلم
كِبرٌ بالمنصب
كِبرٌ بالنسب
بل كِبرٌ بالدين والعبادة
والمصيبة أن الكِبر لا يقتصر على المتجبرين والجبابرة،
بل قد يتسلّل خفيًّا إلى قلوب بعض الصالحين وطلبة العلم،
فيرون أنفسهم خيرًا من غيرهم،
فيقعون في المهلكة وهم لا يشعرون.
وقد عرّف النبي ﷺ الكِبر تعريفًا جامعًا مانعًا فقال:
«الكِبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس.»
(رواه مسلم)
الكِبرياء حقٌّ خالصٌ لله وحده، لأنه:
الكامل من كل وجه
الغني بذاته
القوي بلا مدد
العزيز بلا سند
الحي الذي لا يموت
فإذا رفع الإنسان نفسه فوق الخلق،
أو أُعجب بذاته،
أو احتقر غيره،
فقد نازع الله في صفةٍ من خصائص ربوبيته.
وهنا يأتي الوعيد الإلهي الصريح:
«قصمتُه ولا أُبالي.»
أي: يُكسر كسرًا لا قيام بعده،
ولا يُنظر إلى علمه،
ولا إلى جاهه،
ولا إلى نسبه،
ولا إلى مكانته في أعين الناس.
من ظنّ أن المال رفع قدره،
فازدرى الفقراء،
وتباهى بالمظاهر،
ونسي أن ما بيده فضلٌ من الله لا استحقاق.
قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ
مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾
[القصص: 78]
من توهّم أن منصبه يمنحه عصمةً أو قداسة،
وأن رأيه لا يُرد،
وأن الناس دونه.
قال تعالى عن فرعون:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾
[القصص: 4]
ثم كانت نهايته:
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾
وهو من أخطر أنواع الكِبر،
أن يرى الإنسان نفسه خيرًا من غيره بعلمه أو عبادته.
قال النبي ﷺ:
«هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون.»
(رواه مسلم)
قال:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾
فكانت النتيجة:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾
أول من تكبّر فقال:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
فطُرد من رحمة الله إلى يوم الدين.
قال:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾
فأغرقه الله،
وجعل جسده آيةً لمن بعده.
قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
[الأنبياء: 35]
وقال:
﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾
[العلق: 6–7]
فالنعمة اختبار:
إمّا أن تقودك إلى الشكر والتواضع،
وإمّا أن تجرّك إلى الكِبر والطغيان.
التواضع ليس ضعفًا، بل رفعة.
قال النبي ﷺ:
«وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه.»
(رواه مسلم)
يرفعه الله في القلوب،
وفي الذكر،
وفي الأثر،
ولو لم يملك من الدنيا شيئًا.
يا من وجدتَ في نفسك كِبرًا، تذكّر:
كم من عظيمٍ بالأمس أصبح اليوم نسيًا منسيًا
كم من متجبّرٍ سقط فجأة بلا إنذار
كم من مغترٍّ كُشف ستره في لحظة
راجع قلبك،
فإن الله لا يحب المتكبرين.
قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ
وَلَا فَسَادًا
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[القصص: 83]
وتذكّر دائمًا:
«الكِبرياءُ ردائي، فمن نازعني فيه قصمتُه ولا أُبالي.»