Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

هدية سياحية؟ أم نصب رسمي؟


 

مقدمة: حين تبتسم الذئاب

في هذا الزمن، لم يعد الذئب يأتي بأنياب مكشوفة،
بل ببدلة أنيقة، وربطة عنق لامعة، وابتسامة ناعمة تقول لك:
«أنا هنا لأجعلك سعيدًا… قليلًا، ثم مفلسًا طويلًا.»

هذه ليست قصة خيال، ولا مشهدًا من فيلم كوميدي أسود،
بل تجربة واقعية لرجل ظن نفسه أذكى من الفخ،
فخرج منه بكمبيالات، وعلبة عصير، ودرسٍ لا يُنسى.


المشهد الأول: ظرفٌ فيه المصيدة

في يومٍ من أيام جدة المشمسة، حيث الرطوبة تسبقك إلى روحك،
قررنا – أنا والعائلة – جولة عابرة في معرض شعبي.

لم ننْوِ شراء شيء، ولا الاشتراك في شيء،
مجرد مرور بريء قبل الذهاب إلى مركز تجاري محترم.

لكن البراءة، كما يبدو، عملة نادرة في أسواق التسويق العدواني.

اقترب رجل أنيق، صوته أملس أكثر من الحرير،
وعيناه تلمعان بوعود لا تُفحص.

قال بابتسامة مدروسة:

«هذه هدية لكم، حتى لو ما اشتركتم…
أسبوع في منتجع سياحي، بس زوروا المقر،
واحضروا حفلة خفيفة، فيها عصير… وناس محترمين.»

الشرط الوحيد؟
رقم الهاتف… وتعال بس.

وبسذاجة لا يُحسد عليها، سجّلت الرقم،
ووضعت الظرف في الجيب،
وفتحت باب الجحيم التسويقي على مصراعيه.


المشهد الثاني: الماراثون العاطفي

بدأ سيل الاتصالات:

  • «وصلت؟ الشباب بانتظارك!»

  • «لا تفوّت الحفل، في عصير!»

  • «خذ العيال، الجو عائلي!»

قاومت… ثم قاومت… ثم استسلمت،
لا عن قناعة، بل لأن الأطفال ملّوا،
والزوجة قالت الجملة القاتلة:

«بس نروح نشوف.»

وليتنا رأينا…
لقد رأينا نصبًا متقنًا،
غرفة بلا موسيقى، ولا ضيوف، ولا حفلة،
بل مجموعة مدرَّبة من الذئاب البشرية،
تقرأ لغة الجسد، وتقيس مستوى التردد،
وتحدد نقطة الانهيار.


المشهد الثالث: التنويم السياحي

دخلنا غرفة العرض،
وتقدّم رجل محترف في هندسة الضحايا،
بدأ الحديث بنبرة الواثق:

منتجع خمس نجوم
أسبوعان في السنة
مدى الحياة
تبادل عالمي
والفيزا؟ لا تشيل هم… إحنا نعرف الناس الصح

لم يكن ينقصه سوى أن يقول:
«وتربح مع الاشتراك سيارة!»

كنت مطمئنًا… فأنا مفلس.
لكنني نسيت سلاحهم السري: العاطفة.

قالت الزوجة:

«عندي مبلغ… ندفع مؤقتًا ونشوف بعدين.»

رأيت دمعة طفلة،
وابتسامة ذئب،
وعصيرًا يُقدَّم،
وكمبيالات تُحضَّر.


المشهد الرابع: الدفع ثم الندم

دُفعت دفعة أولى قدرها:

8125 ريال

ووقّعنا كمبيالات تُكمل إلى:

24500 ريال

ثم قيل ببرود:

«لو ندمت بكرة، نرجّع لك 60%،
والباقي… خليه صدقة.»

العصير؟ رديء إلى حد الإهانة.
الكرسي؟ بلاستيك مهترئ.
الهواء؟ خانق.
الابتسامات؟ ناعمة… والأسنان لامعة.

عدت وأنا أتساءل:
من أنا؟ أين عقلي؟ ولماذا لم أهرب منذ البداية؟

قال ابني – لم يتجاوز السابعة عشرة –:

«بابا… لعبوا عليك لعب أطفال.»


المشهد الخامس: صحوة متأخرة

اتصلت بسيد الذئاب أكثر من عشرين مرة… لا رد.

في اليوم التالي، قابلني بتمثيل باكٍ:

«كنت نايم… آسف.»

بعد عشرة أيام، أُعيد مبلغ:

5400 ريال

وأُلغيت الكمبيالات،
ورُسمت عليها علامة X كبيرة،
كأنها شاهد قبر لتجربة تسويقية فاشلة.


النصب يتكرر… بأسماء مختلفة

بعد سنوات، تكرر المشهد في صيدلية.

دواء باسم مختلف،
تركيبة واحدة،
سعر أعلى،
وتوصية مبنية على العمولة لا الطب.

هؤلاء لا يبيعون منتجًا،
بل يبيعون ثقة زائفة مغموسة بالجشع.


الخاتمة: لا تكن الضحية التالية

  • لا تصدق عبارة «هدية مجانية»

  • لا تثق بعرض سياحي لا يصدقه العقل

  • لا تذهب إلى حفلة بلا عنوان واضح

  • لا تُدخل عائلتك في أي عرض تسويقي؛
    فهم المدخل العاطفي

وتذكّر دائمًا:

العصير المجاني… غالبًا ما يأتي مع فاتورة بـ 24500 ريال.

ولو عرضوا عليك:

«رحلة إلى الفضاء مجانًا»

فاسأل أولًا:

  • أين الموقع؟

  • من المنظّم؟

  • وهل هناك كمبيالات؟

ففي هذا الزمن…
لا شيء مجاني، إلا الدروس القاسية.

Responsive Counter
General Counter
16717
Daily Counter
368