المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في دروب الأدب العربي الرفيع، نُقشت أبياتٌ خالدة لم تُكتب لتزيّن الدواوين،
بل لتُعيد ترتيب المفاهيم، وتُقوِّم موازين الناس، وتُنقذ الإنسان من وهم العظمة الموروثة.
ومن أبلغ هذه الأبيات وأصدقها أثرًا قول الشاعر:
كنِ ابنَ من شئتَ واكتسبْ أدبًا
يغنيك محمودُه عن النسبِ
بيتٌ لو وُضع في كفّة، ووُضعت أوهام التفاضل بالأنساب والأسماء والألقاب في كفّة أخرى،
لرجح وحده بما حمل من حكمة وصدق.
إنه يعلنها بوضوح: قيمة الإنسان فيما يصنعه من خُلُق، لا فيما يرثه من اسم.
في زمنٍ كثر فيه التفاخر بالأصول، وتحولت فيه الألقاب إلى ستارٍ يُخفى خلفه ضعف السلوك ورداءة الخُلُق،
يأتي هذا البيت كصوتٍ عاقل يقول: لستَ بما تُنادى، بل بما تُمارس.
فكم من اسمٍ كبيرٍ أفرغته الأفعال من كل معنى،
وكم من إنسانٍ بسيطٍ في نسبه، رفعه أدبه حتى صار اسمه مرادفًا للاحترام.
وقد قال الحسن البصري رحمه الله:
«ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل.»
جاء الإسلام ليقطع الطريق على كل وهمٍ جاهلي، ويضع معيارًا واحدًا لا يتبدل، فقال تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
الحجرات: 13
بل إن رسول الله ﷺ، وهو من أشرف الخلق نسبًا، أغلق باب الاتكال على القرابة فقال:
«يا فاطمة بنت محمد، اعملي، فإني لا أُغني عنكِ من الله شيئًا.»
(رواه مسلم)
فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقُرشي على حبشي،
إلا بتقوى تُترجم إلى خُلُق، وعملٍ يشهد له الناس قبل أن يشهد له التاريخ.
من يعيش في دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات،
يرى نموذجًا حيًا لتقدّم السلوك على النسب.
أعراق شتى، وجنسيات متعددة، وثقافات متباينة، اجتمعت في فضاءٍ واحد،
لا يُحكمه الأصل، بل تُحكمه الأمانة، والإتقان، والاحترام المتبادل.
العربي، والآسيوي، والأفريقي، والأوروبي،
لا يُقدَّر أحدهم باسمه أو لونه، بل بما يقدمه، وكيف يتعامل، وكيف يحترم الإنسان في غيره.
وهنا لا بد من تفريقٍ دقيق يختلط كثيرًا في النقاشات العاطفية.
نعم، الأدب يفرض الاحترام، ويجعل صاحبه كريمًا في المجالس، محترمًا في المعاملة، مقبولًا في المجتمع.
لكن الأدب لا يُلزم بالمصاهرة، ولا يُجبر الإنسان على تجاوز قناعاته الأسرية والاجتماعية.
فالمصاهرة علاقة ممتدة، تتعلق بتكوين أسرة، وتربية أبناء، وانسجام عائلي طويل الأمد.
وقد قال النبي ﷺ:
«إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.»
(حديث حسن)
فالدين والأمانة أصلٌ لا يُتجاوز،
فإن اجتمعا مع حسن النسب فذلك فضل،
وإن وُجدا دون نسبٍ يراه البعض مكافئًا، فالأمر اجتهاد اجتماعي ما لم يُقدَّم على الخُلُق والدين.
ما دخل الناس في دين الله أفواجًا لكثرة الخطب،
بل لصدق المعاملة، ونزاهة السلوك، واحترام الإنسان لإنسانية غيره.
وهكذا كان النبي ﷺ قبل البعثة، حين وصفه قومه بالصادق الأمين،
ففتح القلوب قبل أن تُفتح الكتب.
في بيئات العمل المتنوعة، يسقط قناع النسب سريعًا، ولا يبقى إلا:
من يُتقن
من يصدق
من يحترم
من يخدم دون تعالٍ
فهناك يُعرف المعدن الحقيقي، ويُقاس الإنسان بما في قلبه ولسانه،
لا بما في اسمه أو جواز سفره.
الأسماء الكبيرة قد تذبل، والأنساب قد تُنسى،
لكن الأدب إذا سكن إنسانًا صار له ذكرٌ لا يزول.
وهنا يتجلى المعنى الكامل للبيت الخالد:
كنِ ابنَ من شئتَ واكتسبْ أدبًا
يغنيك محمودُه عن النسبِ
اجعل طموحك أن تورّث أبناءك:
سيرةً طيبة
اسمًا يُذكر بالخير
خُلُقًا يُحتذى
فالنسب وراثة، أما الأدب فصناعة.
والأولى إلى زوال، أما الثانية فباقية… ما بقي الإنسان.