المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
كم في هذه الحياة من أسودٍ تموت جوعًا في غاباتها،
بينما يُلقى لحم الضأن للكلاب!
بيتٌ شعري خالد نُسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله، يختصر واحدةً من أكثر المفارقات إيلامًا في واقعنا المعاصر:
أصحاب الكفاءة الحقيقية، المبدعون في صمت، يُقصَون عن مواقعهم المستحقة، بينما تُفتح الأبواب على مصاريعها لمن يرفعون أصواتهم، ويتقنون فن الترويج لأنفسهم، ولو خلا ما يقدمونه من العمق والجوهر.
جاء الميزان الإلهي واضحًا لا لبس فيه، فقال تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
الحجرات: 13
ولم يكن المعيار يومًا كثرة المال، ولا علو الصوت، ولا براعة الاستعراض.
وقال النبي ﷺ:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.»
(رواه مسلم)
فالأصل أن يُنظر إلى الإخلاص وجودة العمل، لا إلى الضجيج ولا إلى الصورة المصقولة.
غير أن سنن الحياة تقتضي الجمع بين الصدق والأخذ بالأسباب.
فالإخلاص وحده، إن بقي حبيس الصمت، قد لا يكفي ليصل أثره إلى الناس.
وقد أدرك هذا المعنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:
«ما أُعطي عبدٌ بعد الإسلام خيرًا من أخٍ صالح؛ فإذا رأى أحدكم وُدًّا من أخيه فليتمسك به.»
وكذلك، ما أُعطي الإنسان نعمة أعظم من الكفاءة الصادقة والقدرة على العطاء،
لكن عليه أن يعرف كيف يُعرّف بها—لا رياءً ولا كبرًا—بل أداءً للأمانة وإيصالًا للنفع.
كم من باحثٍ أو مخترعٍ عربي قضى عمره في المختبر أو خلف المكتب، يُنتج معرفة حقيقية، لكن أفكاره بقيت حبيسة الأدراج؛ لأنه لم يتقن عرض إنجازه، ولم يجد مؤسسة تتبناه أو منصة تُظهر عمله.
وفي المقابل، تتصدر المشهد عروض براقة تفتقر إلى العمق، لكنها تُحسن مخاطبة الكاميرا والإعلام.
شابٌ أو شابة تخرجوا بتفوق من جامعات مرموقة، يملكون علمًا ومهارة حقيقية، لكنهم يفشلون في اجتياز مقابلة عمل؛ لأنهم لا يعرفون كيف يختصرون خبراتهم، ولا كيف يقدمون أنفسهم بثقة واتزان.
بينما يتقدم غيرهم—لا لقوة كفاءته—بل لقوة صوته وقدرته على الإقناع اللفظي.
أيها المبدع… أيتها المبدعة، اعلموا أن الكفاءة وحدها، في عالم اليوم، لا تكفي.
ليس عيبًا أن:
تطلب المساعدة في تحسين سيرتك الذاتية
تتعلم مهارات العرض والتواصل
تتقن الحديث عن إنجازاتك دون مبالغة
فالتواضع لا يعني إخفاء النعمة، بل إظهارها بلا كِبر، ليصل نفعها ويُعرف بها صاحبها.
وقد قال النبي ﷺ:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.»
وإتقانك لن يُعرف، إن بقيت صامتًا مجهولًا.
لا تقع المسؤولية على الأفراد وحدهم، بل على المؤسسات والقادة واجب أخلاقي ومهني:
البحث عن الكفاءة لا عن الضجيج
بناء آليات عادلة للاختيار والتقييم
تمكين أصحاب العمل الحقيقي لا أصحاب الحكايات
وقد حذّر النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا فقال:
«من وُلِّي من أمر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله.»
(رواه الحاكم)
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة:
تُنصف الصامتين
تُعلّمهم كيف يُظهرون خيرهم
وتكافئ العمل لا الضجيج
ثقافة يُحترم فيها الإخلاص، وتُقدَّر فيها الكفاءة، ويُوضَع كل إنسان في مكانه الذي يستحق.
اللهم ارزقنا وضوح الفكرة، وحُسن العرض،
وأعنّا على نصرة الكفاءة وإعلاء شأن أهلها،
حتى تنهض أمتنا بالعدل، وبالعلم، وبالعمل الصادق الهادئ…
لا بالضجيج العابر.