المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
من يتأمل في قصة فيلم «زوجة رجل مهم» للفنان الراحل أحمد زكي، يدرك بوضوح أن الحياة لا تدور حول المناصب، ولا تُقاس قيمتها بالأموال أو النفوذ، مهما طال زمنها أو عظمت سطوتها.
في هذا العمل الدرامي العميق نرى ضابطًا ذا شأن وهيبة، يُهاب ويُطاع لا لذاته، بل لموقعه الوظيفي وسلطته الرسمية. وحين جاء يوم التقاعد، وسُحبت منه الصلاحيات، سقطت الهالة التي كان يتفيأ بظلها، ووقف عاريًا أمام حقيقة الإنسان بعد زوال الجاه والسلطان.
وقف البطل حائرًا أمام واقعه الجديد:
هل يتقبل سنة التغيير؟
أم يتمسك بأوهام سلطة انتهى زمنها؟
كانت النتيجة مأساوية؛ لأنه لم يدرك أن المنصب مرحلة لا هوية، وأن السلطة عارية بلا خُلُق، وأن من لم يبنِ احترامه على إنسانيته، سيفقده فور فقدانه لموقعه.
وهذه ليست قصة سينمائية فحسب، بل واقع يتكرر كل يوم.
كم من إنسان يعيش هذا المشهد بأشكال مختلفة؟
رجل كان في منصب رفيع ثم أقعده التقاعد
ثريٌّ ذاع صيته ثم أفلس بعد عز
صاحب نفوذ انحسر عنه سلطانه
في لحظة زوال الأسباب، تنكشف الحقائق:
من كان يجالسك لأجل الشخص
ومن كان يطاردك لمصلحة عابرة
ولا يبقى حول الإنسان، حين تسقط الأقنعة، إلا قلة قليلة أحبّته لذاته، لا لما يملك.
هنا تتجلى القاعدة الكبرى التي يجب أن تضبط نظرتنا إلى الناس:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
الحجرات: 13
فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في:
منصبه
ولا ماله
ولا نفوذه
بل في:
خُلُقه
صدقه
أمانته
أثره فيمن حوله
تعلمت هذا المعنى عمليًا حين شاركت أحد الأصدقاء في الولايات المتحدة تأسيس شركة عام 2000.
وضعت اسمي مسبوقًا بلقب علمي على واجهة البرنامج، فنبهني بلطف قائلاً:
«الاسم وحده يكفي… القيمة في الإنسان، لا في ألقابه»
ثم أضاف أن رؤساء أعظم الدول يوقّعون بأسمائهم المجرّدة، ثم تُذكر صفاتهم بعد ذلك لا قبلها.
إنها ثقافة تحترم الإنسان بوصفه إنسانًا، قبل أي اعتبار مهني أو اجتماعي.
لو انتشرت هذه الثقافة في مجتمعاتنا العربية:
لانتقلنا من تمجيد المناصب إلى تقدير القيم
لربّينا أبناءنا على احترام الإنسان لذاته
لعلّمناهم أن المكانة تُكتسب بالخُلُق لا بالكرسي
لتغيّرت علاقاتنا، وتوطدت ثقتنا ببعضنا، وساد العدل بدل النفاق الاجتماعي.
إن أكرم الناس:
من احترم نفسه فاحترم الإنسانية في غيره
من لم يربط كرامته بمال أو منصب
من بقي ثابتًا في أخلاقه حين تزول الامتيازات
فالمنصب زائل، والمال عابر، والسلطة مؤقتة،
لكن الخُلُق يبقى، والأثر الصالح لا يزول.
اللهم ارزقنا حسن الخُلُق، وعلّمنا أن نُقدّر الناس لجوهرهم لا لمواقعهم،
واجعلنا ممن يرفعون القيم فوق المناصب، ويحفظون للإنسان كرامته أيًّا كان شأنه.
فببقاء الخُلُق، تبقى قيمة الإنسان.