المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
للهجة السودانية عبقٌ خاص، ونبرةٌ صادقة، وكلماتٌ تُقال ببساطة لكنها تحمل معاني عميقة.
ومن أشهر تعبيراتها التي تترك أثرًا في السامعين عبارة:
«والله الزول دا ما سمح»
ولمن لا يعرف دلالتها، قد يظنها مدحًا، بينما هي في حقيقتها تعبير عن خيبة أمل؛
تُقال حين يُحسن الإنسان الظن بغيره، ثم يُفاجأ بسوء تصرّف، أو جفاء، أو غرور، أو خذلان.
هي جملة تخرج غالبًا من قلبٍ جُرح، لا من عقلٍ تعمّد الإساءة.
لكن المشكلة لا تبدأ هنا…
بل تبدأ حين لا يقف الحكم عند ذلك «الزول»،
ويمتد ليشمل كل من يشبهه في:
اللهجة
الجنسية
المنطقة
الشكل أو الانتماء
حين يُسيء إليك فرد، فأنت ضحية موقف.
لكن حين تُعمّم حكمك على جماعة كاملة بسبب ذلك الفرد،
تتحوّل — دون أن تشعر — من ضحية إلى ظالم.
كم من شخص:
تعامل مع موظف سيئ
أو بائع فظ
أو سائق متوتر
ثم خرج يقول:
«هذا الشعب كله كذا»
وكأن هذا الفرد صار ممثلًا رسميًا لملايين البشر!
شاب انتقل إلى حي جديد، دخل المسجد ذات يوم فلم يُسلّم عليه أحد.
خرج وهو يقول: «هذا حي عنصري».
بعد أيام علم أن المسجد كان في عزاء أحد وجهاء الحي، والناس غارقون في حزنهم.
امرأة تعاملت معها ممرضة بجفاء، فحكمت فورًا:
«كل الممرضات قاسيات».
وفي زيارة لاحقة، قابلت ممرضة أخرى احتوتها بابتسامة صادقة حتى بكت من التأثر.
رجل من الشام كان يعتقد أن السودانيين باردون في التعامل،
حتى عاشر أحدهم في العمل، فقال بعدها في المجالس:
«أنا ظلمت السودانيين… والله الزول دا طيب وسمح»
من أعجب ما في البشر أن الشخص الواحد قد يبدو:
قاسيًا في موقف
لطيفًا في موقف آخر
وقد يكون:
مهمومًا
مريضًا
متأثرًا بإهانة سابقة
أو لا يُجيد التعبير عن نفسه
فلا تُحمّل الناس وزر ظروفهم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا»
قال رسول الله ﷺ:
«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»
وقال ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا»
وقال ﷺ:
«ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا»
وحذّر ﷺ من خطر التفريق بين الناس:
«إن الشيطان قد أيس أن يُعبد في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»
لا تجعل خطأ شخص حكمًا على:
دين
بلد
قبيلة
جنس
اسأل نفسك:
هل عرفته جيدًا؟
هل تكرّر الموقف؟
هل فهمت الدوافع؟
قال الشافعي رحمه الله:
«من لم يتغافل، ابتُلي بسوء الخلق»
ما أجمل أن تكون ممن يكسرون الأحكام الجائرة، فيقولون بعد معرفة:
«والله الزول دا طيب وسمح… لكن الناس ظلموه»
هنا تكون جسرًا لا جدارًا،
ومُصلحًا لا مُحرِّشًا.
لا تجعل موقفًا سيئًا حكمًا دائمًا
لا تُعمّم بناءً على تجربة فردية
تمهّل، تسامح، وأعطِ فرصة
واعلم أن:
ظنّك بالناس… مرآة لما في قلبك
فكن سمحًا، واسع الصدر، منصفًا،
ليُقال فيك بحق:
«والله الزول دا أطيبه وما أعدله»