المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في عالمٍ تتزاحم فيه الأكتاف على المناصب،
وتُقاس فيه القيم بما في الجيوب لا بما في القلوب،
تطلّ علينا حكمة قديمة، عميقة، مختصرة،
تحمل في كلماتها فلسفة الكرامة الإنسانية كلّها:
استغنِ عمّن شئت تكن مثله
قد يظنّها بعضهم دعوة إلى التعالي أو الانعزال،
لكنها في حقيقتها دعوة إلى التحرّر الداخلي،
وبناء العزّة الحقيقية التي لا تُشترى،
ولا تُستجدى،
ولا تُستمد إلا من الله.
الاستغناء عن الناس لا يعني احتقارهم،
ولا قطع المعروف عنهم،
ولا العيش في برجٍ من جفاء.
بل هو أن:
يكون قلبك معلّقًا بالله وحده
لا تتعلّق بما في أيدي الناس
لا تجعل حاجتك عند مخلوق
حينها فقط، تستوي عندك الوجوه والمناصب والأسماء،
وترى البشر جميعًا في أصلهم الإنساني سواء:
الغني والفقير
القوي والضعيف
صاحب الجاه والمغمور
ولا يرفع أحدهم فوق الآخر إلا التقوى والعمل الصالح.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
العزيز الحقيقي ليس من يملك الكثير،
بل من لا يحتاج أحدًا.
كلما:
قوي يقينك بالله
وضعفت حاجتك للناس
ازدادت عزّتك،
وسكنت نفسك،
وتحرّرت من القلق.
لأنك لم تعد ترى في البشر مصدر نفعٍ أو ضرّ،
بل أدوات في قدر الله… لا أكثر.
ما في أيدي الناس زائل،
مهما بدا ثابتًا.
منصب اليوم… ذكرى غدًا
مال اليوم… فتنة غدًا
جاه اليوم… صمت غدًا
فلا تجعل قلبك معلّقًا بما لا يدوم.
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
ومن علّق قلبه بغير الله،
عاش ذليل الانتظار،
قلق التعلّق،
ضعيف الروح.
جسّد النبي ﷺ أسمى معاني الاستغناء،
فكان أكثر الناس توكّلًا،
وأقلهم تعلّقًا بالدنيا.
وكان من دعائه العظيم:
«اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين»
والمسكين هنا ليس ذلًا،
بل تحرّرًا من عبودية الدنيا،
وتجرّدًا من وهم الامتلاك،
واكتفاءً بالله عن كل أحد.
المسكين الحقيقي:
ليس من يملك القليل
بل من لا يعلّق قلبه إلا بالله
هو من:
يرى النعم عطايا لا حقوقًا
يرى الناس إخوة لا مصادر
يرى الدنيا محطة لا غاية
من استغنى بالله عن الناس، عاش:
عزيز النفس
هادئ القلب
مطمئن الروح
تأمّل هذه الحكمة مرة أخرى:
استغنِ عمّن شئت تكن مثله
وتذكّر:
أن البشر جميعًا فقراء إلى الله
وأن القوة الحقيقية في التوكل
وأن الغنى غنى القلب لا الجيب
لا تغترّ بمال،
ولا تركن إلى منصب،
ولا تُذل قلبك لمخلوق.
كن عزيز النفس بالله…
تكن أغنى الناس.