المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى؛
نِعَمٌ كبرى يدركها الجميع: كالأمن، والصحة، والاستقرار، ونعمة الحرمين الشريفين.
ونِعَمٌ أخرى صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، لا ينتبه لها إلا من عاشها، وجرّب غيرها، وقارن بينهما بعين التجربة لا بعين السماع.
ومن هذه النعم التي لا تُذكر في الخطب، ولا تُدرّس في المناهج، لكنها حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية:
نعمة السروال والفنيلة.
منذ نعومة أظفاري وأنا أعيش في المملكة العربية السعودية.
نشأت هنا، كبرت، كوّنت أسرتي، وولد أبنائي في هذا الجو الذي يجمع بين الطمأنينة والبساطة.
ومع تغيّر الأزمنة واختلاف الأجيال، بقي عنصر ثابت في تفاصيل حياتنا اليومية، لباس منزلي عبقري لا يحتاج شرحًا ولا كتيّب تعليمات:
سروال… وفنيلة.
لا أزرار كثيرة،
لا طبقات متداخلة،
لا تعقيد ولا هندسة عكسية.
قطعتان فقط…
لكنهما تختصران فلسفة كاملة في الراحة.
تخيّل المشهد التالي:
تستيقظ من النوم،
ترتدي السروال والفنيلة،
ثم تلبس الثوب فوقهما،
وتخرج للصلاة، أو للعمل، أو لأي مشوار سريع.
تعود إلى البيت…
تخلع الثوب، تعلّقه في الدولاب،
وفجأة — دون أي مجهود إضافي —
تجد نفسك في أعلى درجات الجاهزية للراحة.
لا تبديل.
لا بحث.
لا إعادة ترتيب.
وكأن النظام مصمم خصيصًا ليقول لك:
تفضل… اجلس، استرح، الحياة لا تستحق كل هذا العناء.
والآن، دعنا نقارن — بلا تعصّب — مع تجربة شائعة في دول أخرى: نظام البيجامة.
في هذا النظام:
تستيقظ وترتدي البيجامة.
تريد الخروج؟ عليك خلعها.
ترتدي ملابس الخروج بكل تفاصيلها.
تعود؟ تعيد العملية بالعكس.
وإن تكرر ذلك خمس مرات في اليوم
(صلاة، عمل، مشوار، زيارة، طارئ)…
فأنت أمام:
وقت ضائع
طاقة مستنزفة
أزرار مهددة بالانقراض
بل وقد تفقد أحد الأزرار في معركة يومية لا داعي لها.
لو حسبنا الزمن المستهلك في تبديل الملابس بين:
نمط البيجامة
نمط السروال والفنيلة
لوجدنا أن متوسط السعودي يربح:
ساعات راحة أسبوعيًا
صفاءً ذهنيًا
عمرًا أطول للأزرار
وهذا — بلا مبالغة — مكسب حضاري صامت.
في السعودية تعلّمنا — دون تنظير — أن:
البساطة لا تعني الإهمال،
بل تعني الذكاء العملي.
السروال والفنيلة ليسا رمز كسل،
بل رمز فهم عميق للحياة:
افعل ما يلزم…
دون أن تُرهق نفسك بما لا يلزم.
أحمد الله على هذه النعمة الصغيرة في شكلها، الكبيرة في أثرها.
شكرًا لهذا البلد الذي علّمنا أن الراحة ليست ترفًا.
وشكرًا للسروال والفنيلة، اللذين وفّرا علينا:
وجع الرأس
ضياع الوقت
أسئلة من نوع: وين بيجامتي؟
في الختام،
إن رأيتني مبتسمًا بلا سبب ظاهر،
فاعلم أنني — على الأغلب —
قد خلعت ثوبي للتو،
وجلست أستمتع براحة السروال والفنيلة.
اللهم أدمها من نعمة،
ولا تجعلنا من الغافلين عنها.