المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في السنوات الأخيرة، برزت النرجسية بوصفها أحد أخطر الاضطرابات السلوكية التي تنخر العلاقات الاجتماعية، وتُفسد الروابط الأسرية، وتُزعزع التوازن النفسي للفرد والمجتمع.
ورغم مظاهر التقدّم المادي والحضاري، إلا أن تضخّم الأنا، والاستعلاء على الخلق، والانشغال بالصورة لا بالقيمة، بات ظاهرة متنامية تهدد الاستقرار الأخلاقي والاجتماعي.
فما النرجسية؟
وما أسباب انتشارها؟
وما آثارها؟
وكيف عالجها القرآن الكريم والسنة النبوية معالجة جذرية؟
النرجسية ليست مجرد حبٍّ معتدل للذات،
بل هي تضخيم مرضي للأنا،
وانشغال دائم بالذات والصورة،
واستعلاء على الناس مع احتقارٍ خفي أو ظاهر لهم.
وهي من أخطر أمراض القلوب؛ لأنها تُغذّي:
العُجب
الكِبر
الرياء
احتقار الآخرين
وتدفع صاحبها إلى سلوكيات مؤذية،
تبدأ بالإعجاب بالنفس،
وتنتهي بالقطيعة، والبغضاء، والعزلة.
حين يُربّى الإنسان على أنه مركز الكون،
أو حين يُهمَل عاطفيًا فيبحث عن التعويض
عبر تضخيم ذاته،
تنشأ نرجسية كامنة تظهر لاحقًا في السلوك.
حيث غدا النجاح يُقاس:
بما تملك
بما تلبس
بما تُظهر
لا بما تُقدّم من خُلق أو نفع.
التي جعلت:
الاستعراض سهلًا
الإعجاب معيارًا
التقدير رقميًا لا أخلاقيًا
فأصبح القدوة:
صاحب الشهرة
صاحب المال
لا صاحب العلم والخلق.
فيعوض البعض فشلهم الواقعي
بتضخيم ذواتهم
والتقليل من شأن غيرهم.
قلق دائم على الصورة
غضب سريع عند النقد
اكتئاب عند غياب الإعجاب
فقدان السكينة الداخلية
تفكك العلاقات
ضعف الثقة
انتشار الحسد والبغضاء
قتل روح التعاون
صناعة قدوات زائفة
جاء القرآن ليكسر وهم العظمة الزائفة،
ويعيد الإنسان إلى حقيقته:
﴿خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (فاطر: 15)
وبيّن أن الجحود أصل الداء:
﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (عبس: 17)
وحذّر من الكبر والغطرسة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: 18)
وذكّر بالمصير الحتمي:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)
قال النبي ﷺ:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»
(رواه مسلم)
وقال ﷺ:
«ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَظٍّ مستكبر»
(متفق عليه)
فالنرجسية ليست مرضًا اجتماعيًا فقط،
بل خطرًا دينيًا وأخلاقيًا.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53)
فكل نعمة:
اختبار
أمانة
مسؤولية
ومن جعلها وسيلة للتعالي
سُلبت بركتها،
وحُرم القبول.
تذكّر:
ما عندك فضل لا استحقاق
وما أنت فيه ابتلاء لا تميّز
وما تملكه قد يُسلب في لحظة
لن ترفعك نرجسيتك عند الله،
ولا عند الناس،
بل ستُسقطك من القلوب
قبل المواقع.
عالِج نفسك بالتواضع،
وبالشكر،
وبنفع الناس،
فذلك طريق القبول
وطريق السلام النفسي.
كان النبي ﷺ سيد المتواضعين، يقول:
«إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد»
وكم من متواضعٍ خلّده الله،
وكم من متكبرٍ سقط اسمه
وبقي أثره السيّئ.
النرجسية داء يعزل الإنسان:
عن نفسه
عن الناس
عن ربّه
ولا يرفعه إلا:
التقوى والتواضع
فليكن شعارك:
«من تواضع لله رفعه، ومن تكبّر وضعه الله»