المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الإسراف ليس مجرّد إنفاق زائد،
بل هو علامة على غياب الحكمة،
وانفلات العقل خلف شهوة الاستهلاك.
المُسرف لا يُحسن التقدير،
ولا يعرف لقيمة النعمة وزنًا،
ولا يرى في المال والوقت والصحة
إلا موارد تُستهلك لا أمانات تُحفظ.
وقد ذمّ الشرع الإسراف،
وحذّر منه العقلاء،
لأنه باب للفقر،
وسبب للندم،
ومُهلك للبركة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾
(الإسراء: 27)
تأمّل هذا الوصف القرآني القاطع:
لم يقل أتباع الشياطين،
بل إخوانهم.
لأن المُسرف يُهين النعمة،
ويكفر بها بسوء التصرف،
والكفر لا يكون دائمًا إنكارًا،
بل قد يكون قلّة شكر،
وسوء تقدير،
وغياب رشد.
من أكثر صور الإسراف شيوعًا اليوم
ما نراه في استخدام الماء أثناء الوضوء.
كم من مسلم محافظ على صلاته
يفتح الصنبور إلى آخره،
ويترك الماء يتدفق بلا وعي،
ظنًّا أن كثرة الماء
تعني طهارة أعظم!
وقد قال النبي ﷺ:
«لا تُسرف ولو كنت على نهرٍ جارٍ»
(رواه ابن ماجه)
وكان ﷺ يتوضأ بمدٍّ من الماء
(أقل من 600 مل)،
في بيئة صحراوية حارّة.
فكيف نبرر اليوم
استهلاك خمسة أو ستة لترات
في وضوء واحد؟
إنه ليس مجرد هدر للماء،
بل استخفاف بالنعمة،
ومخالفة صريحة لروح الشريعة
التي قامت على الاعتدال.
من أبرز صور الإسراف المعاصر:
التباهي بالجلوس اليومي في المقاهي،
صغارًا وكبارًا،
رجالًا ونساءً.
لم تعد القهوة مشروبًا عابرًا،
بل تحوّلت إلى رمز اجتماعي زائف،
ودليل تحضّر شكلي،
وتقليد أعمى لا يُسأل عن جدواه.
جلسة واحدة قد تكلّف:
مشروب
قطعة كيك
سناك جانبي
والمجموع لا يقل عن 60 ريالًا،
لتصل الفاتورة الشهرية
إلى أكثر من 1500 ريال
دون حاجة حقيقية،
ودون فائدة تُذكر.
ثم يُقال:
«أضبط مزاجي»
لا أحد يمنع الترفيه المعتدل،
ولا زيارة المقهى عند الحاجة،
لكن تحويله إلى عادة يومية هو:
هدر للمال
استنزاف للوقت
إضرار بالصحة
الرقي الحقيقي
ليس في الاستعراض،
بل في الاتزان،
وفي احترام النعمة،
وفي وضع المال في موضعه الصحيح.
أثبت الأطباء أن الإفراط في الكافيين يسبب:
الأرق المزمن
زيادة القلق والتوتر
اضطرابات المعدة
ارتفاع ضغط الدم
الإدمان النفسي والعصبي
فلماذا نُضر أجسادنا،
ونهدر أموالنا،
فقط لنبدو «راقيين»؟
الإسراف لا يقتصر على القهوة،
بل يشمل:
الأعراس: مئات الآلاف في ليلة واحدة
الملابس: شراء ما لا يُلبس إلا مرة
الكهرباء: تشغيل الأجهزة في غرف خالية
الطعام: طبخ زائد يُلقى في القمامة
التقنية: تغيير الأجهزة رغم كفاءتها
كلها صور لهدرٍ جماعي
يُضعف الفرد
ويُنهك المجتمع.
يظن البعض أن الاقتصاد تضييق،
وأن الاعتدال حرمان،
وهذا فهم خاطئ.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾
(الإسراء: 29)
الإسلام لا يدعو للبخل،
بل للرشد،
ولا يمنع النعمة،
بل يمنع إهانتها.
أيها القارئ الكريم…
المال أمانة،
والصحة أمانة،
والوقت أمانة،
والموارد أمانة.
فإياك أن تكون من المُسرفين،
فتُدرج — دون أن تشعر —
في زمرة إخوان الشياطين.
ابدأ بنفسك:
أغلق الصنبور أثناء الوضوء
اشترِ بقدر حاجتك
خفف من جلسات المظاهر
لا تتبع كل تقليعة جديدة
فالرقي الحقيقي
ليس في كثرة ما نستهلك،
بل في حُسن ما نُحسن استخدامه.