المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
مرّت أربع عشرة سنة ثقيلة على السوريين،
سنواتٌ تكسّرت فيها البيوت، وتبعثرت العائلات،
وتقاسمتها نار الحرب، ومرارة الغربة،
وقسوة الاعتماد على الغير.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
ليس كل من بقي في سوريا عاش ذلًّا،
وليس كل من خرج إلى دول الجوار عاش بكرامة.
فالكرامة لم تكن مرتبطة بالجغرافيا،
بل بالأخلاق،
وأحيانًا تحوّلت إلى طبق
يحمله إنسان بيده ليُطعم غيره،
ثم لا يجد من يُطعمه حين يجوع.
في زمن الحرب،
لا تكفي كلمة «شكرًا»،
ولا تردّ عبارة «ما قصّرت»
دين المعروف إذا كان المعروف إنقاذًا
في وقت الهلاك.
كثيرون من السوريين
حملوا طبق الكرامة بصمت:
فتحوا بيوتهم
دفعوا إيجارات
تكفّلوا بعلاج
دعموا تعليم
سهّلوا لجوءًا
فعلوا ذلك في أحلك الظروف،
لا من فائض،
بل من وجعٍ مشترك،
ومن أخلاق لا تعرف المساومة.
ثم دارت الأيام،
وتغيّرت الأحوال،
وتحسّن حال من أُعينوا،
وبقي المُعين في ضيق.
وحين طلب القليل،
لم يجد إلا:
صمتًا
استغرابًا
تسويفًا
كأن المعروف كان واجبًا عليه وحده،
والردّ تفضّلًا من غيره.
قيل لأحد هؤلاء، نثرًا أو شعرًا:
«الناس إما يعاملونك بالعدل فيحسبون كل قرش،
وإما بالفضل فيكون الأمر أجرًا لا يُنتظر مقابله.»
كلام جميل…
لو قيل في حق عاجز لا يملك،
أما أن يُقال لميسور
بنى استقراره على كتف غيره
ثم تنكّر له،
فذلك ليس فضلًا،
بل جحود مُغلّف بالبلاغة.
وقد صدق زهير بن أبي سلمى:
ومن يصنع المعروف في غير أهله
يُضرس بأنيابٍ ويُوطأ بمنسم
من لا يعرف ردّ المعروف:
لا يعرف الرجولة
لا يعرف الشهامة
ولا يفهم جوهر الدين
لأن المعروف ليس صدقة تُنسى،
بل دين أخلاقي لا يسقط بالتقادم.
يكتمل الحديث عن الكرامة
دون التوقف عند الدول
التي فتحت أبوابها للسوريين
رغم ضيق ذات اليد
ورغم أزماتها السياسية والاقتصادية.
تركيا، الأردن، لبنان، كردستان العراق، مصر،
والمملكة العربية السعودية
التي فتحت أبواب الزيارة والعمل والتعليم والعلاج
بكرمٍ لا يُنكر.
هذه الدول احتضنت ملايين السوريين،
وغالبًا تحمّلت العبء
قبل أن يأتي أي دعم.
وفي المقابل،
برزت مواقف مؤلمة من دول:
أغلقت حدودها
وشوّهت كرامة اللاجئ إعلاميًا
رسائل أكاديمية وتصريحات إعلامية
تحمّل المشرد ذنب الخراب،
وكأن من هُدم بيته
هو من فجّر الزلزال بيده.
وهذا ليس نقدًا،
بل إهانة إنسانية صريحة.
نحن لا نبرّئ السوريين
من أخطاء بعضهم في دول اللجوء،
لكننا نطلب العدل لا التعميم،
ولا التشويه،
ولا تحويل المعاناة إلى مادة ازدراء.
ونقدّر بصدق الدول
التي احتملت فوق طاقتها،
ونقول:
جزاكم الله خيرًا.
ونسأل السوريين فيها
أن يكونوا عونًا لا عبئًا،
وأن يحفظوا الجميل
كما يُحفظ الدين.
يا من أُطعمتم يوم الجوع،
وتُرك غيركم يوم الحاجة…
الدنيا دُوَل،
واليوم لك،
وغدًا عليك.
ومن مدّ لك يد العون
قد يحتاجك يومًا،
فلا تتعالَ،
ولا تتنكر،
ولا تختبئ خلف خطابٍ منمّق.
ردّ الجميل:
ليس خيارًا
ولا مكرمة
بل واجب
من المسؤول عن هذا الانحدار الأخلاقي بين الإخوة؟
من يعلّم الأجيال أن المعروف دين لا يسقط؟
أين الإعلام الصادق؟
وأين المؤسسات التي تُربي على الوفاء لا الجحود؟
هذا المقال ليس اتهامًا،
بل صرخة ضمير
للسوري،
وللعربي،
ولكل إنسان…
أن يُعيد ترتيب أخلاقه
قبل أن تفقد الأمة آخر ما تبقّى لها:
الكرامة.