Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

الهدر المالي في مشاريع البرمجيات الحكومية

حين تتحوّل الأنظمة إلى أداة لاستهلاك الميزانية بدل خدمتها


في زمنٍ تُرفع فيه شعارات ترشيد الإنفاق وتعظيم العائد من كل ريال يُصرف،
لا تزال بعض مشاريع البرمجيات الحكومية تُدار بعقلية تناقض هذه المبادئ في جوهرها،
وتُكرّس ممارسات لا يمكن وصفها بالقصور الفني وحده،
بل تقترب أحيانًا من التغافل المؤسسي،
وأحيانًا أخرى من الهدر المنهجي الذي يُدار بهدوء تحت غطاء الإجراءات النظامية.

المشكلة هنا ليست في وجود تعاقدات خارجية،
فذلك أمر طبيعي في مشاريع تقنية معقّدة،
بل في تحويل المشروع نفسه إلى ذريعة دائمة لاستنزاف الميزانية
بدل أن يكون وسيلة لبناء قدرة ذاتية مستدامة داخل الجهة الحكومية.


المشروع الذي لا يُراد له أن يكتمل

يبدأ المشروع بتكلفة تضخمية،
يُقال إنها تشمل:

  • التحليل

  • التصميم

  • التطوير

  • الاختبار

  • التسليم

لكن ما يُبنى فعليًا
ليس نظامًا مكتملًا،
بل دائرة مغلقة من الاعتماد الكلّي على الشركة المتعاقدة.

وعند نهاية العقد،
يُصرَّح بوجود «تعقيدات تقنية»
لا يمكن التعامل معها إلا عبر الشركة نفسها،
وكأن النظام كُتب بلغة لا يفهمها سواهم،
أو كأن المعرفة التقنية حُجبت عمدًا عن موظفي الجهة المالكة.


تهميش الكفاءات الداخلية

في كثير من الحالات،
لا يكون موظفو الجهة الحكومية مجرد متفرجين،
بل شركاء فعليين في حمل المشروع،
يعرفون تفاصيله، وبنيته،
ويتعاملون مع أعطاله اليومية.

ومع ذلك،
يُستبعدون من مشهد الاستدامة
بحجة الحاجة إلى «خبرة خارجية»،
ويُعاملون وكأنهم غير مؤهلين
لإدارة ما ساهموا في بنائه.

وهنا يتحوّل الخطر من هدر مالي
إلى إضعاف متعمّد للقدرات الوطنية،
ورسالة سلبية فحواها:

«وجودك مرحلي… والاستدامة لغيرك.»


دوّامة العقود المفتوحة

ثم تبدأ الحلقة المفرغة:

  • عقود دعم

  • عقود صيانة

  • عقود تطوير لاحقة

  • تمديدات متتالية

  • مكافآت ورواتب مرتفعة
    بحجة عدم إمكانية الاستغناء

ليس لأن النظام يتطلب ذلك فعلًا،
بل لأن النموذج بُني منذ البداية ليكون غير مكتفٍ ذاتيًا.

وهكذا تتحوّل البرمجيات
من أداة خدمية
إلى وسيلة لاستدامة التعاقد ذاته.


أسئلة لا بد أن تُطرح

أين دور إدارات تقنية المعلومات في:

  • التقييم الفني الحقيقي؟

  • التخطيط بعيد المدى؟

  • بناء المعرفة المؤسسية؟

أين الجهات الرقابية الفنية المستقلة؟
أين دور المحاسبة في حماية المال العام؟
وأين مبدأ نقل المعرفة
الذي يُفترض أن يكون شرطًا لا ترفًا؟

وهنا يُطرح السؤال الجوهري بلا مواربة:

هل هذا إنفاق… أم هدر؟
هل هذا تطوير… أم إدامة تبعية؟
وهل يتوافق هذا المسار مع طموح الاكتفاء الذاتي الوطني؟


ما الذي نحتاجه فعلًا؟

تصحيح هذا المسار
لا يحتاج شعارات جديدة،
بل قرارات واضحة، منها:

  • هيئات رقابية تقنية ذات كفاءة حقيقية لا شكلية.

  • محاسبة جادة للجهات التي تستسلم لتعاقدات غير مبررة.

  • خارطة طريق واضحة لبناء الأنظمة عبر القدرات الداخلية أولًا.

  • إلزام حقيقي بنقل المعرفة، لا توثيق صوري.

  • حوكمة فنية صارمة لكل مرحلة من مراحل التطوير.

  • فصل المصالح، وإنهاء ثقافة «الاعتماد الدائم».


رؤية وطن… لا بند ميزانية

رؤية 2030
لم تُطرح لتكون عناوين تُرفع،
بل إطارًا عمليًا
يمنع النزيف الصامت داخل الميزانيات،
ويعيد الاعتبار للكفاءة الوطنية،
ويحوّل التقنية
من عبء مالي
إلى رافعة حقيقية للتنمية.


خاتمة

حين تتحوّل البرمجيات الحكومية
من وسيلة لخدمة المواطن
إلى أداة لاستهلاك الميزانية،
فالمشكلة ليست تقنية،
بل مسار إداري يجب تصحيحه… وبسرعة.

Responsive Counter
General Counter
16810
Daily Counter
461