المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
الحسد ليس مجرد انزعاجٍ عابر حين ترى ما عند غيرك،
ولا غيرةً صحية كما يحاول بعضهم تزيينه،
بل هو داءٌ قلبيّ خطير،
ينشأ حين يضعف الرضا،
ويضيق الصدر،
ويغيب اليقين بأن الله وحده هو الرزّاق،
يعطي بحكمة،
ويمنع بعدل،
ولا يظلم أحدًا مثقال ذرّة.
الحسد لا يبدأ من العين،
بل من القلب.
ولا يحرق المحسود أولًا،
بل يُحرق صاحبه ببطء.
يعيش الحاسد في توتر دائم،
وسخط داخلي،
ومقارنة لا تنتهي؛
لأنه لا يرى ما أُعطي،
بل ما أُعطي غيره.
الحسد هو تمنّي زوال النعمة عن الغير،
أو كراهية وجودها عندهم،
سواء تمنّى أن تكون له أو لا.
وهو من أخطر أمراض القلوب،
وأقدمها في تاريخ الخلق:
في السماء: حسد إبليس آدم على المكانة التي أكرمه الله بها، فقال:
﴿أأسجد لمن خلقت طينًا﴾
في الأرض: حسد قابيل أخاه هابيل،
فكانت أول جريمة قتل في تاريخ البشر.
وهكذا كان الحسد شرارة السقوط الأولى،
ولا يزال من أعظم أسباب هلاك النفوس.
من أيقن أن الله هو الرزّاق،
وأن الأرزاق لا تُؤخذ بالحيلة
ولا تُدفع بالحسد،
لا يمكن أن يحسد.
قال النبي ﷺ:
«إن روح القدس نفث في رُوعي
أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها،
فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»
فإذا كان رزقك مكتوبًا لا يفوتك،
فلماذا تحترق لما عند غيرك؟
الحاسد — في حقيقته —
يعترض على قسمة الله في قلبه،
وإن لم يجرؤ على التصريح بذلك بلسانه،
وكأن لسان حاله يقول:
«لماذا أعطى الله فلانًا ولم يعطني؟»
وهي مصيبة عقدية
قبل أن تكون سلوكية.
الحسد اليوم نادرًا ما يُعلن،
لكنه يتخفّى في صور خبيثة:
نجاح صديق يُقابل بتشكيك:
«أكيد عنده واسطة… أكيد غشّ»
نعمة امرأة تُقابل بغيظٍ صامت لا مبرر له.
شاب يرى غيره يُكرم أو يُوفّق،
فيحترق داخليًا
ويلعن الحظ بدل أن يشكر الله.
وقال النبي ﷺ محذّرًا:
«إياكم والحسد،
فإن الحسد يأكل الحسنات
كما تأكل النار الحطب»
الحاسد يعيش في شقاء دائم:
لا يفرح بما عنده، لأنه مشغول بما عند غيره.
لا يهدأ، لأن المقارنة لا تنتهي.
لا يشكر، لأنه يرى نفسه مظلومًا.
لا يرضى، لأن قلبه معترض.
إنه كمن يشرب السمّ
ظنًّا منه أنه سيقتل غيره،
فإذا به يقتل نفسه ببطء.
قال الله تعالى:
﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾
لن تأخذ إلا ما كُتب لك،
ولو اجتمع أهل الأرض كلهم.
إذا رأيت نعمة عند غيرك، فقل فورًا:
ما شاء الله، تبارك الله،
اللهم بارك له،
وارزقني خيرًا إن كان فيه خير.
الدعاء يقتل الحسد في مهده.
قال تعالى:
﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض﴾
لكل إنسان نعم
لا يملكها غيره،
لكن الغافل لا يراها.
كان النبي ﷺ يدعو:
«اللهم طهّر قلبي من النفاق،
وعملي من الرياء»
وقل أنت:
اللهم اجعل قلبي سليمًا،
لا يحسد، ولا يحقد، ولا يعترض.
الحسد لا يزيدك غنى،
ولا ينقص من رزق غيرك،
بل هو سوء أدب مع الله،
وعذاب في النفس،
وخراب للقلب.
فكن من أصحاب القلوب السليمة،
الذين يفرحون لفرح الناس،
ويشكرون الله على كل حال،
ويوقنون أن الله أرحم وأحكم
من أن يظلم أحدًا.
قال تعالى:
﴿ولا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾
القناعة والرضا
بابان عظيمان للسعادة،
ومن فتحهما الله له
أغلق عنه باب الحسد إلى الأبد.