المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
كان يا ما كان،
في زمنٍ لم تعد فيه الكائنات الرقمية تبحث عن الطعام أو الهواء،
ظهر نوع جديد من البشر…
لا يعيش إلا على اللايك،
ولا يتنفس إلا بـ الشير،
وإذا لم تتابعه الآن فورًا…
فربما تُزهق روحه الرقمية عطشًا للمشاهدات!
لم يعد الخطر في الجوع أو العطش،
بل في انخفاض التفاعل،
وانحسار الوصول،
وغضب الخوارزمية التي لا ترحم.
يخرج عليك صانع محتوى مجهول،
لا يحمل رسالة ولا قيمة،
لكنه يحمل نبرة بكاء مؤثرة،
كأنك في غرفة طوارئ:
«أرجوووكم تابعوني…
أنا على وشك الانقراض!
اضغطوا لايك قبل ما تأخذني الخوارزم… قصدي الموت!
فعّلوا الجرس… يمكن يرجعلي الأمل بالحياة!»
مشهد لا يختلف كثيرًا
عن إعلان تخفيضات السواني في الثمانينات:
ذاك الإعلان الأسطوري
الذي بدأ بصوتٍ متهدّج كأننا في جنازة،
وانتهى بنداء هستيري:
«الحقوا التخفيضات قبل وقوع الكارثة!»
لكن الفارق الجوهري هنا
أن الكارثة الرقمية وقعت فعلًا…
لا على الأسعار،
بل على كرامة الإنسان.
كيف وصلنا من زمن
كانت فيه الشهرة نتيجة جودة،
إلى زمن أصبحت فيه الجودة عبئًا،
وأصبح النجاح مرهونًا بعبارة:
«اشتركوا بالقناة… تراني نفسيتي تعبانة!»
متى تحولت صناعة المحتوى
من إبداع وبناء وتأثير،
إلى صناعة استجداء عاطفي؟
إنها دراما رقمية
لا تقل مأساوية عن أفلام الأبيض والأسود:
البطل بعيون ذابلة،
ونبرة مكسورة،
ويبدأ كل فيديو بمقدمة حزينة:
«قبل ما نبدأ…
لا تنسوا الاشتراك واللايك،
والله تعبت كثير عشان أعمل هالمحتوى…»
ثم تكتشف في النهاية
أن هذا “المحتوى”
لا يتعدى مقطعًا لشخص
يأكل إندومي
من خمس زوايا مختلفة
في غرفته.
الأكثر تطورًا
لا يكتفي بالبكاء،
بل ينتقل إلى الابتزاز الناعم المغلّف بالهشاشة:
«إذا ما وصلنا 100 ألف متابع هذا الأسبوع…
يمكن أوقف القناة وأبيع عصير برتقال!»
وهنا تتساءل ببراءة:
أين ذهب الصبر؟
أين ذهبت الجدارة؟
أين اختفت فكرة أن العمل الجيد يفرض نفسه؟
أصبح المشهد الرقمي
أشبه بسوق شعبية:
الكل يصرخ: «تعال تابعني!»
حتى لو لم يكن في جعبته
سوى نكتة باردة،
أو رأي سياسي معاد تدويره
من تعليقات فيسبوك عام 2012.
وفجأة:
هذا يحلل الاقتصاد،
وذاك يفكك الجغرافيا السياسية،
وثالث يقدم نصائح طبية خطيرة…
وهو لا يفرّق أصلًا
بين اليود واليوتيوب!
كاميرا أمامية
إنترنت متوسط
= مؤثر.
لم يعد المعيار هو القيمة،
بل عدد المشاهدات.
لم يعد السؤال: ماذا تقول؟
بل: كم شوهدت؟
في المقابل،
هناك من يبدعون بصمت،
يقدمون علمًا نافعًا،
أو فكرًا رصينًا،
أو نقدًا موضوعيًا،
ولا يتوسّلون أحدًا.
لأن المحتوى القوي
يعرف طريقه.
لا يركع أمام زر اللايك،
ولا ينهار عند انخفاض الأرقام.
من يستجديك متابعته،
يعترف ضمنيًا
أن محتواه لا يكفي وحده.
ومن يقول لك كل يوم:
«أرجوك تابعني»
نادراً ما يقول:
«شكرًا لأنك استفدت»
يا صانع المحتوى المتسوّل،
إن كانت قناتك لا تمشي
إلا على عكاز
«اشتركوا الله يخليكم»،
فربما لا تستحق أن تمشي أصلًا.
إذا شعرت يومًا
برغبة أن تبدأ كل فيديو أو منشور بعبارة:
«لو سمحتم تابعوني»
فتذكّر أن بيتهوفن
ألّف أعظم سيمفونياته وهو أصم،
ولم يُضف أحد زر «اشترك»
على دفتر نوتته.
اسأل نفسك بصدق:
هل تريد أن تكون مؤثرًا…
أم متسوّلًا؟
المحتوى الحقيقي
يجعل الناس يبحثون عنك،
لا الذي يجعلك تبكي في كل فيديو
كي تبحث عنهم.